لم تعد الأسواق الأسبوعية والمحلية بالمغرب ملاذاً آمناً للمواطنين الباحثين عن أثمنة تناسب قدرتهم الشرائية، بل تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى مسرح لموجة غلاء عارمة تضرب المواد الغذائية الأساسية. فأسعار الخضر، وفي مقدمتها الطماطم، شهدت قفزات جنونية أعادت إلى الواجهة مخاوف الأمن الغذائي، وحولت أبسط احتياجات الأسرة اليومية إلى عبء مالي خانق.

جولة ميدانية في عدد من الأسواق الأسبوعية والشعبية صباح اليوم الأحد، كشفت عن واقع مرير يعيشه المستهلك، حيث استقر ثمن الكيلوغرام الواحد من الطماطم بين 13 و15 درهماً، ليتجاوز حاجز 16 و17 درهماً خارج أوقات الأسواق الأسبوعية. ولم تكن البطاطس والبصل بمنأى عن هذه الموجة، إذ حافظت على مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 و8 دراهم للكيلوغرام. أرقام صادمة تجعل من إعداد وجبة غذائية بسيطة تحدياً مستحيلاً بالنسبة لذوي الدخل المحدود.

وعلى أرض الواقع، يبدو الاستياء بادياً على وجوه المتسوقين، الذين أكدوا أن ميزانية القفة الأسبوعية تضاعفت، دون أن تكفي حتى لتغطية نصف ما كانوا يشترونه سابقاً. وتوجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى سياسة التصدير، حيث يعتقد المستهلكون أن إغراق الأسواق الأوروبية والإفريقية بالمنتجات المغربية هو السبب الرئيسي وراء ندرة المعروض محلياً، واشتعال الأسعار في الأسواق الداخلية.

وتعليقاً على هذا الوضع، أصدر حميد الحديوي، وهو فاعل جمعوي، نداءً عاجلاً للحكومة، مطالباً بتعليق تصدير المواد الفلاحية الأساسية إلى الخارج، وإعطاء الأولوية المطلقة لتأمين السوق الوطنية. وشدد الحديوي على أنه لا ينبغي استئناف التصدير إلا بعد ضمان الاكتفاء الذاتي وعودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية (بين 3 و5 دراهم). كما حذر من أن استمرار هذا الارتفاع، سواء في المواد الغذائية أو المحروقات، قد يدفع البلاد نحو أزمة اجتماعية حقيقية ما لم يتم التدخل الفوري لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وبينما يعيش المواطن البسيط ويلات هذا الغلاء، تبرز قصص تدمي القلوب؛ كحال "حليمة"، أرملة وأم لأربعة أيتام، التي التقتها عدسة الجريدة في السوق. عبرت حليمة عن عجزها التام أمام هذه الأسعار، مؤكدة أنها لا تستطيع شراء حتى نصف حاجيات منزلها من الخضر والفواكه، في ظل غياب أي مصدر دخل يعيل أسرتها الصغيرة.

ورغم أن التصدير يُحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية، يرى مراقبون ومهنيون أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير. فالاختلالات البنيوية في أسواق الجملة، وتعدد الوسطاء، وجشع المضاربين في سلاسل التوزيع، كلها عوامل تتسبب في تضخيم سعر المنتوج مرات عدة بين خروجه من الحقل ووصوله إلى مائدة المستهلك النهائي، لتغرق القفة المغربية في دوامة غلاء لا تنتهي.