لم يعد التسوق في طنجة كما كان. فمع استمرار موجة الغلاء، وجدت أسر كثيرة نفسها أمام معادلة صعبة: إما الدفع بأسعار الأسواق الحضرية التي تلتهم جزءاً كبيراً من مداخيلها، أو التنقل إلى الأسواق القروية والمناطق المجاورة بحثاً عن أثمنة أقل. وخلال الأيام الأخيرة، رصدت "الأخبار" توافد مواطنين من طنجة على أسواق سبت الزينات وحد الغربية والعوامة، في محاولة لتقليص كلفة التسوق اليومي وتوفير حاجيات أسرهم بأقل التكاليف الممكنة.

هذا التحول في وجهة التسوق لم يكن اختياراً ترفيهياً، بل رد فعل على ضغط معيشي متزايد. فحسب معطيات متوفرة، أصبحت هذه الأسواق وجهة متزايدة للأسر التي لم تعد قادرة على مسايرة الارتفاعات المتتالية في أسعار عدد من المواد الأساسية، حيث يفضل مواطنون التنقل إلى مناطق بعيدة، رغم ما يتطلبه ذلك من مصاريف إضافية مرتبطة بالنقل، أملاً في العثور على منتجات بأسعار أكثر ملاءمة لقدرتهم الشرائية.

ويعكس هذا التحول حجم الضغط الذي باتت تواجهه القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، في وقت أصبحت كلفة القفة اليومية تستنزف جزءاً متزايداً من ميزانيات الأسر، وتدفعها إلى البحث عن بدائل حتى لو كانت بعيدة أو مكلفة في التنقل.

لكن المفارقة أن الأسواق الأسبوعية، التي يلجأ إليها المواطنون اليوم كملاذ أخير، كانت موضوع ملاحظات سابقة من المجلس الأعلى للحسابات، الذي نبه إلى أهمية هذه الأسواق باعتبارها فضاءً تجارياً وسياحياً ضمن الاستراتيجية القطاعية، لكنه سجل في الوقت نفسه غياب تصور استراتيجي واضح لتأهيلها وتنميتها.

وأشار المجلس إلى أن عمليات إعادة توطين الأسواق الأسبوعية لم تكن دائماً مبنية على دراسة وتخطيط مسبق يراعي التكامل بين برامج تنمية الجهة والجماعات، ما أفرز انتقالات عشوائية أحياناً داخل التراب نفسه أو نحو جماعات مجاورة. كما سجل أن القطاع الحكومي المكلف بالثقافة لا يتوفر على تصور استراتيجي لجرد وتسجيل وصون وتثمين الرصيد الثقافي لهذه الأسواق، رغم تفرد نموذج السوق الأسبوعي المغربي وعاداته وقدم نشأته، وأهميته في تشكيل الهوية الوطنية بالمجالات القروية.

بهذا، يجد سكان طنجة أنفسهم بين سوق حضري يغالي، وسوق قروي يفتقر إلى التنظيم والتأهيل، ورحلة يومية تلتهم الوقت والمال بحثاً عن قفة أرخص. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيظل المواطن يدفع ثمن غلاء الأسعار وغياب استراتيجية وطنية للأسواق، بدل أن يجد في مدينته ما يكفيه؟