تتصاعد داخل أروقة المجالس الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة أسئلة ملحة حول المبالغ الضخمة التي تُرصد سنوياً لتغطية صيانة سيارات الجماعات وتكاليف المحروقات، في وقت تعاني فيه هذه المجالس من عجز مالي وتراكم ديون وضياع مداخيل، ما يجعل النقاش حول جدوى هذه النفقات مشروعاً وضرورياً.
وتؤكد معطيات متوفرة أن تكاليف استغلال أسطول السيارات بالجماعات الترابية بالشمال عرفت ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وهو ارتفاع يفسره متتبعون بعاملين أساسيين: عدم استقرار أسعار المحروقات من جهة، وغياب استراتيجية واضحة لترشيد الاستهلاك من جهة أخرى، في ظل تعدد المهام الموكلة لهذه السيارات وتشعبها.
وتشير أصوات معارضة داخل عدد من المجالس إلى أن تدبير هذا المرفق يحتاج إلى مراجعة، إذ تُطرح تساؤلات حول معايير توزيع السيارات بين الأعضاء، وضبط رخص الاستعمال، وآليات تتبع الكيلومترات المقطوعة، والاستهلاك الفعلي للمحروقات، وهي عناصر يرى المتتبعون أنها تحتاج إلى توثيق دقيق ورقابة منتظمة لضمان الشفافية.
ويُسجل في هذا السياق أن بعض السيارات تُستخدم في مهام رسمية تتطلب التنقل بين المدن، وهو أمر طبيعي في عمل الجماعات الترابية، غير أن غياب نظام صارم للتتبع والمساءلة يفتح الباب أمام اجتهادات فردية قد لا تتوافق دائماً مع المصلحة العامة، دون أن يعني ذلك اتهاماً مسبقاً لأي جهة.
وتأتي هذه النقاشات في وقت تُطالب فيه وزارة الداخلية، عبر دوريات متعددة، بترشيد النفقات والاقتصاد في المحروقات وتحسين مردودية المرافق الجماعية، وهو توجيه يجد صدى لدى الرأي العام المحلي الذي يتساءل: لماذا لا تنعكس هذه التعليمات على أرض الواقع في شكل تقليص ملموس للنفقات ورفع لمردودية الخدمات؟
والأمر لا يتعلق بمحاسبة فرد أو جهة بعينها، بل بمنظومة تدبير تحتاج إلى تحديث. فالميزانيات المليارية التي تُرصد لأسطول السيارات تُقلص من هامش الاستثمار في مشاريع تنموية تنتظرها الساكنة، من الطرق إلى المرافق الصحية والتعليمية، في وقت تعاني فيه جل الجماعات من ضعف المداخيل الذاتية وارتفاع الباقي استخلاصه.
ويرى خبراء في الحكامة المحلية أن معالجة هذا الملف تتطلب إجراءات عملية: إرساء نظام رقمي لتتبع السيارات والاستهلاك، وتحديد معايير واضحة لاستعمالها، ونشر تقارير دورية عن تكاليف الصيانة والمحروقات، وإخضاعها للمراقبة الداخلية والخارجية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي خطوات كفيلة بإعادة الثقة في تدبير المال العام دون الحاجة إلى أي اتهامات.
بهذا، يبقى السؤال المطروح على رؤساء الجماعات بالشمال مشروعاً: هل ستتحول التعليمات الوطنية إلى إجراءات فعلية تقلص الهدر وتحمي المال العام، أم أن الملايير ستستمر في التصريف دون مردودية تُذكر، بينما ينتظر المواطنون خدمات تليق بهم؟
التعليقات
أضف تعليقك