في مفارقة اقتصادية تقترب من الكوميديا السوداء، يجد بلد يسبح على بحر من النفط والغاز نفسه مضطراً لمد يده إلى الأسواق الدولية لشراء "الغازوال" الذي يحرك شاحناته وجراراته. والمفارقة لا تكمن في الاستيراد وحده، بل في الوعود الرنانة التي أطلقها النظام الجزائري، ليأتي الواقع بعد أشهر قليلة ويكذبها بأرقام صادمة، فاضحةً هوة سحيقة بين خطاب القادة وأرقام الخزينة.
في أبريل من العام الماضي، وتحديداً من مدينة بشار، وبكل ثقة، أطلق الرئيس عبد المجيد تبون وعداً قطعياً على مسامع الجزائريين قائلاً: "في العام المقبل، لن تستورد الجزائر قطرة واحدة من الغازوال". لم يكن هذا مجرد تصريح عابر، بل تعهد شخصي من رئيس يدرك أن بلاده تمتلك موارد هائلة. لكن الأيام أثبتت أن الوعد سقط في الماء، أو بالأحرى في خزان فارغ. فالتقرير السنوي الأخير لشركة "سوناطراك" الوطنية كشف عن الحقيقة التي حاولت السلطات دفنها: الجزائر اشترت مليون و78 ألف طن من الغازوال من الخارج خلال 2025.
ولفهم حجم الكارثة، يكفي النظر إلى الأرقام المفزعة. فإجمالي واردات المنتجات النفطية قفز من 209 آلاف طن إلى مليون و404 آلاف طن، أي بزيادة صادمة تجاوزت 572 في المائة. هذا الارتفاع الجنوني لم يقتصر على الغازوال، بل طال مركبات أخرى كـ"ميثيل ثالثي بوتيل الإيثر" الضروري لإنتاج البنزين، والذي ارتفعت وارداته بنسبة 42 في المائة.
الأدهى من ذلك هو محاولة التضليل المنظم. فالتقرير السنوي لسوناطراك لعام 2024، أي قبل عام واحد فقط، احتفل بـ"التوقف التام عن استيراد الوقود" وقدمه للرأي العام كإنجاز تاريخي. لكن الحقيقة التي كشفها تقرير 2025 هي أن الجزائر لم تتوقف عن الاستيراد من البوابات الخلفية، بل توقفت فقط عن الإعلان عن ذلك.
ومع انكشاف الحقيقة، لم يجد الرئيس تبون سوى المناورة؛ ففي أكتوبر 2026، عاد ليعترف بوجود "نقص طفيف"، ليؤجل تنفيذ وعده مرة أخرى إلى عام 2027، داساً بذلك على كرامة الشعب، ودون أن ينبس ببنت شفة عن الفاتورة المالية الضخمة التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني.
إن هذه الفضيحة لا تعكس مجرد سوء تقدير، بل خلل عميق في الإدارة. فدولة النفط التي لا تستطيع تأمين أبسط أنواع الوقود لمواطنيها، ولا تجد حرجاً في التلاعب بالأرقام وتأجيل الوعود، تكشف عن نظام يفضل شعارات "السيادة" والريادة الإقليمية على حساب أبسط قواعد التدبير. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيظل الشعب الجزائري يدفع فاتورة وعود تتبخر، ووقود يُستورد بدمه ودينه؟
التعليقات
أضف تعليقك