صورة واحدة كشفت ما كان يُخفى: إقامة سكنية بطنجة بواجهة تُشبه "الأقفاص"، انتشرت على منصات التواصل، لكن السخرية وحدها لا تكفي. فما ظهر في الصورة ليس مجرد خطأ معماري، بل ترجمة بصرية لنهج عمراني يعتبر المواطن مجرد رقم في معادلة الربح العقاري.
لا أحد يعرف اسم الإقامة ولا موقعها، لكن الجميع يعرف النموذج: كتل إسمنتية متراصة، بلا روح ولا تناسق، تُبنى بسرعة وتُباع بأسعار لا ترحم، في مدينة تُروّج لنفسها كعاصمة اقتصادية وتستعد لاستقبال العالم في مونديال 2030. المفارقة قاتلة: طنجة التي تريد أن تُرى جميلة من الخارج، تنتج سكناً قبيحاً من الداخل.
والأسوأ أن هذا ليس استثناءً. فطنجة تعيش توسعاً عمرانياً متسارعاً، لكن السؤال الذي يتجنبه الجميع: بأي ثمن؟ واجهات متشابهة، مساحات ضيقة، تهوية شبه منعدمة، إضاءة طبيعية شحيحة، وفضاءات مشتركة تُختزل في ممرات معتمة. هذا هو "المنتج" الذي يُقدم للمواطن على أنه سكن عصري.
ثم تأتي الفاتورة. أسعار الشقق لا تعكس جودة البناء، بل تعكس جشع سوق لا يرحم. مواطن يدفع عمره ثمناً لشقة بمساحة محدودة وتجهيزات متواضعة، في مشروع لم يراعِ أبسط معايير الجمالية ولا أخلاقيات البناء. فالسكن لم يعد حقاً، بل سلعة يُتاجر بها دون رقيب فعلي.
المسؤولية هنا لا تقف عند المنعشين العقاريين وحدهم. فالجهات المختصة تصادق على التصاميم، وتمنح الرخص، وتُغلق عينيها عن واجهات تُشوه صورة المدينة. وحين يتحول العمران إلى مجرد تراكم للطوابق، وحين تُقدَّم المردودية الاقتصادية على حساب كرامة الإنسان، يصبح السؤال مشروعاً: من يحمي المواطن من مدينة تُبنى بلا رؤية؟
طنجة لا تحتاج إلى المزيد من الأقفاص الإسمنتية. تحتاج إلى إرادة سياسية تضع الإنسان قبل الاستثمار، وإلى معايير صارمة تُلزم الجميع بجودة التصميم واحترام المعمار وأخلاقيات السكن. وإلا، فستبقى الصور المروعة تتكرر، وستبقى المدينة تُباع بالتقسيط على حساب من يسكنها.
التعليقات
أضف تعليقك