في مفارقة اقتصادية غير مسبوقة، يجد منتجو الزيتون أنفسهم هذا الموسم أمام معادلة قاسية: إنتاج تراجع بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، لكن الأسواق لم تتحرك، والطلب ظل في أدنى مستوياته، ليتحول محصولهم من مصدر رزق إلى عبء ثقيل لا يجد من يشتريه.

الهيئة البيمهنية المغربية للزيتون، وبعد اجتماع مكتبها الإداري الخميس، أطلقت صافرة الإنذار. فالأرقام التي كشفت عنها لا تعكس أزمة إنتاج عابرة، بل أزمة تسويق وهيكلة تهدد استمرارية سلسلة كاملة. فبدل أن يرفع تراجع المحصول الأسعار ويحسن مداخيل الفلاحين، سجلت الأسواق ركوداً واضحاً وتراجعاً في الإقبال، مع أثمنة لا تغطي حتى تكاليف الجني والإنتاج، ولا تضمن الحد الأدنى من المردودية لمن أفنى شهوراً في العناية بأشجار الزيتون.

وإذا كان نقص الإنتاج منطقياً أن يرفع السعر، فإن ما يحدث اليوم هو العكس تماماً. فالمفارقة تتجسد في أن الإنتاج قلّ، لكن قيمته السوقية انهارت، في مؤشر على خلل عميق في السلسلة لا يمكن اختزاله في العرض والطلب. فالطلب الداخلي ضعيف، والتصريف متعثر، والمخزونات تتراكم، بينما الأسواق الدولية تظل بعيدة عن متناول منتج لا يجد الدعم ولا شروط المنافسة.

وإلى جانب ذلك، تشكل تكلفة اليد العاملة الموسمية كابوساً إضافياً. فندرة العمال، وارتفاع أجورهم، وصعوبة توفيرهم في التوقيت المناسب، كلها عوامل جعلت عملية الجني عبئاً يفوق طاقة كثير من المنتجين، حتى إن بعض المناطق بدأت تتخلى عن جزء من محصولها بسبب العجز عن جنيه أو تأخر موعده، مما يضرب جودة الزيت وقيمته التجارية.

لكن الأزمة لا تتوقف عند الفلاح. فوحدات عصر الزيتون وتصبير الزيتون، التي يفترض أن تكون محرك السلسلة وممتص صدماتها، تواجه بدورها اختناقاً حقيقياً. فالمخزونات راكدة، والطلب ضعيف، والتمويل شحيح، وتكاليف التشغيل ترتفع، بينما آليات دعم التصدير لا تزال بعيدة عن مستوى التحديات. ويجد المنتج المغربي نفسه في أسواق دولية تتنافس فيها منتجات أخرى بمعايير تسويقية ودعم حكومي لا يضاهيه أي دعم وطني.

بهذا، تقف سلسلة الزيتون المغربية أمام مفارقة مقلقة: منتجون يملكون محصولاً لا يجدونه يباع بثمن منصف، ووحدات صناعية تبحث عن إنتاج لا تجد له سوقاً، وعمالة موسمية نادرة ومكلفة، وفرص تصدير لا تواكب الطموح. والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان تراجع الإنتاج لا يرفع الأسعار، وارتفاع التكاليف لا يجد له تعويضاً، فإلى متى سيصمد الفلاح المغربي في هذه السلسلة؟