في واحدة من أخطر قضايا التزوير المرتبطة بتأشيرات "شنغن" التي شغلت الرأي العام المحلي، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة الستار على ملف معقد، ليصدر حكمها يوم الجمعة بمؤاخذة ثلاثة متهمين، وتوقيع عقوبة السنتين حبساً نافذاً في حق المتهم الرئيسي "ع.ب"، فيما اكتفت المحكمة بإنزال عقوبة السنتين موقوفة التنفيذ في حق المتهمين الآخرين، رجل وامرأة.

القضية التي تفجرت تفاصيلها خلال جلسة الخميس الماضي، كشفت عن شبكة متشابكة من التزييف طالت محررات رسمية وتجارية وبنكية، إذ تُوبع المتهمون بتهم تزوير شهادات صادرة عن إدارات عمومية، وانتحال صفات، وتسهيل مغادرة التراب الوطني بطرق غير قانونية، مع تحميلهم الصائر والأمر بإتلاف الوثائق المحجوزة وإرجاع كفالات الحضور.

الحكاية التي جعلت القاعة تتنفس الصعداء مع النطق بالحكم، بدأت حين سلم "الضحية" اللذان مثلا في حالة سراح، جوازي سفرهما وبطاقتي تعريفهما، بالإضافة إلى مبلغ مالي يناهز 100 ألف درهم، إلى المتهم الرئيسي، الذي أوهمهما بقدرته على استخراج تأشيرتي "شنغن" لهما. وبحسب تصريحاتهما، فإن اللقاء جرى أمام القنصلية الإسبانية بطنجة، وهو ما زرع في نفسيهما الاطمئنان بأن الأمور تسير في مسارها القانوني، قبل أن يقعا في قبضة العدالة.

لكن المفارقة الكبرى التي فجرتها جلسة المحاكمة، هي أن "ع.ب"، الذي ابتزّ ضحاياه وأقنعهم بقدرته الخارقة على اختراق القنصليات، لم يكن سوى عامل نظافة يشتغل في المجال منذ 14 سنة. ورغم ذلك، لم يتردد في تزوير وثائق رسمية، من بينها عقد زواج منسوب للمتهمين، وشهادة عمل تزعم بأن أحدهما موظف بالمحكمة الابتدائية، لتمرير ملفات التأشيرات. مواجهة رئيس الهيئة القضائية للمتهم بالوثائق المزورة، كشفت بجلاء عن عبثية الجريمة وخطورتها في الوقت ذاته.

ورغم دفاع المتهمين الآخرين وتمسكهما ببراءة ساحتهما كضحايا عملية نصب، فإن المحكمة رأت في تصرفاتهما مساهمة فعلية في الجريمة، لكنها راعت ظروفهما فخففت العقوبة إلى الإيقاف، بينما ظل المتهم الرئيسي خلف القضبان بعد أن التمس ممثل النيابة العامة إنزال أقصى العقوبات في حقه.

بهذا الحكم، يكون القضاء قد وضع حداً لمسار تزوير استغل حلم الشباب في الهجرة، وفضح خيوط عمليات تلاعب بملفات حساسة تمس بأمن الوثائق الرسمية.