في مشهد يعكس مفارقة سياسية واقتصادية غير مسبوقة، لم تعد أزمة البطاطس في الجزائر مجرد اضطراب عابر في أسواق الخضر، بل تحولت إلى ملف سيادي تتصدر تفاصيله اجتماعات الوزراء الأول، وتهديدات الرئيس بالسجون والمؤبد، لتصبح المادة الأولى التي تقيس الهوة الساحقة بين شعارات "الجزائر الجديدة" وواقع المواطن اليومي.

بداية التصعيد لم تكن من المعارضة التقليدية فحسب، بل امتدت إلى أصوات توصف بقربها من دوائر المؤسسة العسكرية. المعارض المنفي سعيد بنسديرة، خصص بثاً مباشراً استمر لساعتين عبر منصة "يوتيوب" لمناقشة أزمة البطاطس والحليب، معتبراً أن سنوات العجز انطلقت منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد الحكم سنة 2020. وتساءل بنسديرة بقلق بالغ: "كان الحراك سلمياً وحضارياً لأن بطون الشعب كانت ملأى، لكن ماذا سيحدث لو خرج جائعاً؟"، في إشارة إلى أن الأزمة المعيشية باتت تمثل تهديداً أمنياً حقيقياً للنظام.

ولعل ما يزيد من حدة الموقف هو التعبئة الرسمية غير المسبوقة لاحتواء هذا الملف. ففي الخامس من نونبر الجاري، ترأس الوزير الأول سيفي غريب اجتماعاً عبر تقنية التناظر المرئي ضم الولاة وأعضاء الحكومة، لإطلاق منصة رقمية لمراقبة الأسعار، مع توجيه تعليمات صارمة بفرض عقوبات ردعية فورية على المضاربين. وقبل ذلك، أصدر الرئيس تبون أوامره في مارس الماضي بإدراج المتلاعبين في قوائم سوداء وحظرهم من ممارسة التجارة مدى الحياة، كما هدد في أكتوبر 2021 بإنزال عقوبة الإعدام بحقهم، قبل أن يقر التشريع الجزائري عقوبات تصل إلى ثلاثين سنة سجناً نافذاً في قضايا الاحتكار، والمؤبد في حالات الشبكات المنظمة.

هذه الترسانة القانونية والأمنية الضخمة التي تُسخر لضبط سوق البطاطس تكشف عن حجم العجز في التدبير الاستباقي. فدولة تمتلك آليات مثل النظام العام لضبط المنتجات واسعة الاستهلاك (سيربالاك) منذ سنة 2008، تجد نفسها بعد ثمانية عشر عاماً تكتفي بإخراج محجوزات غرف التبريد بعد تفاقم الندرة ووقوع الأزمة، كما حدث مؤخراً بإعلان إخراج 120 طناً في المدية و6700 طن بولاية بومرداس، بدلاً من التخطيط الدقيق للمواسم الزراعية وملء المخزونات في أوقاتها المناسبة.

الأرقام لا تكذب، والذاكرة لا تنسى. ففي أكتوبر 2021، كانت صحيفة "الشروق" تتصدر بعنوان صادم: "البطاطس بـ150 ديناراً.. والمواطن تحت الصدمة!"، وفي نونبر 2026، يرصد موقع "لو ماتان دالجيري" استقرار السعر بين 140 و150 ديناراً للكيلوغرام، إن وجد أصلاً في الأسواق. خمس سنوات كاملة مرت، والأسعار لم تتغير، والوعود تتبدد، والمسؤولون يفضلون البحث عن "كباش فداء" بدلاً من الاعتراف بخلل هيكلي يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية.

إن تحويل حبة البطاطس إلى قضية دولة ومادة للنقاش الأمني يفضح سلطة تفتقر إلى أبجديات الاستشراف والتدبير. فدولة عاجزة عن تأمين أبسط احتياجات مواطنيها من الخضر، رغم التهديدات بالسجن والإعدام، تكشف عن خلل أعمق من أزمة سوق؛ إنه خلل في العقلية التدبيرية التي تغطي فشلها بلغة الترهيب. لقد أصبحت البطاطس في الجزائر مقياساً سياسياً عالي الحساسية، ومرآة تعكس الفارق الصارخ بين الخطابات الرنانة عن الريادة الإقليمية، وبين واقع مواطنين يحصون دنانيرهم بحسرة أمام رفوف خاوية، في انتظار وعد لم يتحقق منذ سنوات.