في فاتح نونبر، جلست الجزائر أمام شاشاتها لمشاهدة "إنجاز" جديد: شريط تلفزيوني يعلن انطلاق تطهير موقع التجارب النووية الفرنسية "بيريل" في إن إيكر. دقيقتان واثنتان وعشرون ثانية من الصور التي تُظهر تقنيين بأزياء واقية، لافتات تحذيرية، طائرة مسيرة صغيرة، ورافعتين ضخمتين تقفان بلا حراك. لم يجرّف أحد شبراً من التراب الملوث إشعاعياً، ولم تُملأ حاوية نفايات واحدة. كل ما وثقه الشريط هو تركيب ألواح شمسية، فتح حقائب، تفحص حواسيب، ووضع طائرة مسيرة على الأرض. هذا ليس تطهيراً نووياً، بل حملة رصد تقني بثوب دعائي.

لكن الحقيقة التي يخفيها هذا الاستعراض ليست جديدة. فغالبية التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية نُفذت بعد استقلال 1962، وبموافقة صريحة من حكام الجزائر آنذاك. واليوم، بدل الاعتراف بالمسؤولية التاريخية ومواجهة الملف بشفافية، يُصر النظام على إنتاج مسرحيات بصرية تُوهم الجزائريين بأن شيئاً يُنجز. والغريب أن الشريط الذي حمل لافتة "1 نونبر 2026" كان قد انتشر على المنصات الرقمية في وقت مبكر من بعد ظهر اليوم نفسه، مع مشاهد تُظهر تقلبات مناخية بين سماء غائمة وأخرى صحوة، ما يؤكد أنه صُوّر مسبقاً ليُبث في التوقيت المناسب. وهذه ليست المرة الأولى: في فبراير الماضي، بثت وزارة الدفاع وثائقياً عن "عملية تطهير جزئية أولى" في الموقع ذاته، قبل أن تعود اللافتة بعد تسعة أشهر لتعلن "انطلاقاً" جديداً للعملية نفسها.

نفس السيناريو يتكرر في منجم غار جبيلات. في 31 يناير 2026، دشن الرئيس تبون الخط السككي الرابط بين المنجم وبشار مروراً بتندوف، على مسافة 950 كيلومتراً. احتفالات، وثائقيات، إعلانات عن "أول قافلة لنقل خام الحديد". لكن بعد تسعة أشهر، لا أرقام رسمية عن الأطنان المستخرجة، ولا عن الكميات المنقولة، ولا عن وتيرة الإنتاج. وفي يونيو الماضي، وثّق الدراج القطري خالد الجابر فوهة منجمية جرداء تخلو من أي عامل أو آلية، في مشهد يُكذّب كل الاحتفالات. أما الأكاديمي جلول سلامة، فقد حُكم عليه في 15 أكتوبر بأربع سنوات سجناً نافذة، لا لشيء سوى لأنه طرح سؤالاً تلفزيونياً عن الجدوى الاقتصادية للمشروع.

هكذا تُدار الجزائر: شاشات تعرض أوراشاً لا تتحرك، ومناجم لا تنتج، ولجان تطهير لا تطهر. والنظام الذي يخاف من سؤال بسيط عن جدوى منجم، يجد في الصورة المفبركة بديلاً عن الواقع، وفي السجن بديلاً عن الإقناع. فبينما كانت الرافعات متوقفة، كان أستاذ خلف القضبان بسبب سؤال. وهذا هو الفرق بين دولة تبني، ودولة تُمثّل. والسؤال الذي يواجه الجزائريين اليوم: إلى متى ستبقى الحقيقة جريمة، والصورة المزيفة إنجازاً وطنياً؟