لم تعد بعض الأقلام الدبلوماسية المتقاعدة في إسبانيا قادرة على مغادرة جلباب الحنين إلى عقليات الوصاية والاستعلاء البائد. وفي هذا السياق المطبوع بالعجز عن مواكبة التحولات الجيوسياسية الكبرى، أطل علينا السفير السابق إينوسينثيو إف. أرياس (Inocencio F. Arias) بمقال رأي متهافت ومتحامل، عنونه بـ "خضوع سانتشيث للمغرب.."، محاولا من خلاله تسويق سردية مغلوطة تضج بالسطحية والافتعال والانفعال، وتستحضر أمجادا وهمية لعلاقات متوترة عفا عليها الزمن. إن هذا الخطاب المأزوم يعكس فهما قاصرا لطبيعة العلاقات الدولية الحديثة القائمة على الندية والمصالح المشتركة، ويتجاهل بحشود من التلفيق حقيقة أن الدبلوماسية الإسبانية الحالية بقيادة بيدرو سانتشيث قد أظهرت حنكة وبعد نظر وتبصرا استراتيجيا، جعلت مدريد تدرك مبكرا أن أمنها واستقرارها وازدهارها المرتقب يمر حتما عبر شراكة استراتيجية راسخة مع المملكة المغربية. أولا: من هوس المؤامرة إلى واقعية الجوار الإيجابي.. بدل أن يوجه السفير السابق نقده اللاذع إلى التهور المستعصي لأحزاب اليمين واليمين المتطرف الإسبانية، ومقارباتها العدمية التي لا تقيم وزنا لمصالح البلدين الجارين، اختار أرياس الغوص في تفاصيل سطحية يكتنفها الغموض، متباكيا بسذاجة منقطعة النظير على ما سماه "تأخر كشف المعلومات المتعلقة بوجود سفن حربية مغربية قبالة سواحل سبتة يوم الاقتحام"، معتبرا إياها "جريمة بحق الكرامة الوطنية ومؤسسات الدولة"!!!. إن هذه اللغة التهريجية لا تكشف إلا عن ضحالة تحليلية تفضح عجزا بنيويا في استيعاب أبسط قواعد السيادة وأمن الحدود، حيث يوظف التهويل الإعلامي لخدمة أجندات حزبية ضيقة، متناسين أن التعاون الأمني بين البلدين حقق نجاحات باهرة حمت أوروبا من آفة الإرهاب والجريمة المنظمة، بدل لغة التوجس المرتجفة. ثانيا: مغالطات مونديال 2030... حين يعمي الحقد لغة الأرقام لم تقتصر ترهات الدبلوماسي السابق على البعد الأمني، بل امتدت لتطال مكسبا رياضيا وتاريخيا عالميا، متمثلا في التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال والمغرب. فقد تجرأ أرياس على اعتبار إصرار إسبانيا على إشراك المغرب "تنازلا"، مسوقا أكذوبة جاهزية البنيات التحتية لإسبانيا والبرتغال بمفردهما!.. وهي مغالطة فجة تكذبها التقارير الرسمية وواقع الملاعب الإسبانية التي لا تزال تتخبط في تحديات تأهيل الكثير من منشآتها وهياكلها لاستحقاق بحجم المونديال. فالمغرب اليوم بفضل تنميته المتميزة وبنياته التحتية العالمية وجاهزيته القارية والدولية، لم يكن يوما عبئا على التنظيم، بل هو القاطرة التي تمنح هذا الملف وزنا جغرافيا وثقافيا واقتصاديا لا غنى عنه لضمان نجاح استثنائي للبطولة. ثالثا: الصحراء المغربية وانهيار أوهام "البراغماتية الفارغة".. أما الطامة الكبرى في مقال أرياس، فتكمن في بكائيته على التحول الاستراتيجي في الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية ودعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها الأساس الأكثر جدية وواقعية، واصفا إياه بـ "التحول الجذري والمفاجئ... ودون تحقيق مكاسب ملموسة". يا لها من مفارقة مضحكة مبكية! أن ينعت دبلوماسي سابق بالبراغماتية الفارغة قرارا سياديا يعترف بالحق التاريخي للمغرب ويدعم وحدته الترابية، متجاهلا أن "المكسب الملموس" الوحيد الذي تبحث عنه إسبانيا العاقلة هو ضمان أمنها الاستراتيجي، وتأمين تدفق إمداداتها الطاقية والاقتصادية، وإغلاق ملف النزاع المفتعل الذي طالما استغلته أطراف معادية للاستقرار الإقليمي. إن موقف سانتشيث لم يكن خضوعا، بل كان شجاعة سياسية ندر أن تجود بها مخلفات الدبلوماسية التقليدية المتكلسة. رابعا: سريالية الأسئلة المأزومة.. وختم السفير السابق مقاله بتساؤل سريالي يكشف قاع العجز التحليلي، متسائلا عما إذا كان المغرب يمتلك "أسرارا أو معلومات خفية" عن رئيس الحكومة الإسبانية يجهلها المواطنون!... إن هذا التساؤل السخيف لا يعدو أن يكون هروبا مفضوحا إلى الأمام، وعجزا عن مواجهة الحقيقة الساطعة: وهي أن المغرب قوة إقليمية وازنة، وحليف موثوق، يمتلك من الوزن الجيوسياسي والدبلوماسي ما يجعله شريكا لا يمكن تجاوزه في غرب المتوسط وإفريقيا. وحين تدرك القيادات الإسبانية الحكيمة هذه البصيرة، يجن جنون المتقاعدين الحنينيين المراهنين على التأزم المستمر. إن مقال إينوسينثيو إف. أرياس ليس سوى صرخة استهجان باهتة لتيار متآكل في إسبانيا يعجز عن هضم حقيقة الصعود المغربي المتزن والثابت. فحكومة بيدرو سانتشيث، بتبصرها وبعد نظرها، التقطت إشارات المستقبل، مفضلة بناء جسور الشراكة الندية والاحترام المتبادل على اجترار أوهام الوصاية البائدة. وفي عالم يتقلب على صفيح ساخن، تظل حنكة الكبار وحدها هي الكفيلة بصناعة الاستقرار، لا ترهات الصغار وهلوساتهم المأزومة.