لم يكن لافتا فقط ذلك الحماس المفرط الذي طبع تصريحات "عمدة " مدينة سبتة السليبة، خوان بيباس ، وهو يصف زيارة الملك فيليبي السادس الأخيرة للمدينة بـ "التاريخية والمفصلية"، معتبرا إياها "جرعة معنوية ذات قيمة لا تقدر بثمن"، بل كان اللافت أكثر هو العجز السياسي المبطن الذي حاول هذا الخطاب البلاغي تغطيته. فحين يتزامن تحرك ملكي بهذا الحجم—عن قصد أو عن غير قصد—مع محطة انتخابية حاسمة، يحق للشارع والراصد السياسي قراءة الأبعاد الحقيقية للحدث بعيدا عن الشحن العاطفي والشعارات المستهلكة. إن المراهنة على شحن المشاعر "الوطنية "وتوزيع "الجرعات المعنوية" قد تمنح مكاسب انتخابية عابرة، لكنها سرعان ما تتلاشى أمام صخرة الواقع اليومي لساكنة سبتة السليبة.. فأول ما يلاحظه المتتبع البسيط للشأن السياسي هو غياب البرنامج الإيجابي الملموس ،في وقت تقتضي الحملات الانتخابية الرزينة تقديم إجابات واضحة لأسئلة الأمن والاستقرار والنهوض الاقتصادي، لا الهروب إلى استدعاء الهالة كـ "بديل" عن الرؤية التنموية. مقابل ذلك أيضا ،تعاني قطاعات واسعة من مجتمع المدينة السليبة من التهميش والإقصاء الاجتماعي، وتعيش تحت وطأة الانسداد المزمن للفرص الشغلية وتدهور الخدمات العامة. و يقف المواطن البسيط في إسبانيا عاجزا أمام الغلاء الفاحش لأسعار العقار والندرة الحادة في السكن اللائق، وهي أزمات لا تحل بالزيارات الرسمية ولا بالتصريحات الحماسية، بل ببرامج إعمار واستثمار شجاعة ومبتكرة. الحزب الشعبي ودبلوماسية الهروب إلى الأمام: تبرز هذه القراءة القاصرة التي يقدمها الحزب الشعبي خللا أعمق يتجاوز الحدود البلدية لسبتة ليطال المقاربة الدبلوماسية الإسبانية ككل. فبدلا من اعتماد استراتيجية خارجية حكيمة ومتبصرة تقوم على بناء الجسور وتوطيد الشراكات الاستراتيجية مع أهم الشركاء الإقليميين وأوثقهم وأكثرهم نفعا، يفضل هذا التيار السياسي الشوفيني السير في اتجاه معاكس وعكسي تماما: أولا ، افتعال الأزمات المجانية: الاستمرار في الركوب على تناقضات ملف الهجرة واللجوء لتهييج الشارع الداخلي وتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة. ثانيا، إقحام الملكية في معارك ظرفية وحشر المؤسسة الملكية في تجاذبات سياسية وإقليمية معقدة، وهو سلوك لا يجلب النفع لإسبانيا، بل يضعف موقعها ويضر بهيبتها الدبلوماسية. ثالثا، العزلة عن المحيط الحيوي: فتدمير الجسور مع الجوار الأقرب وتجاهل المصالح المشتركة المتبادلة يساهمان في عزل إسبانيا وفصلها عن عمقها الطبيعي والمجدي. و الحكمة السياسية تقتضي الإدراك بأن قوة الدول والمدن لا تقاس بحجم الاستعراضات والمظاهر، بل بقدرتها على صناعة الاستقرار التنموي والتكامل الاقتصادي والتأسيس لعلاقات جوار متينة وقائمة على الثقة والربح المشترك. لقد حان الوقت للطبقة السياسية في الحزب الشعبي تحديدا وشريكه حزب "فوكس"—لأن تدرك أن الساكنة لم تعد تبحث عن "جرعات معنوية" لتخدير واقعها، بل تنشد برامج عمل حقيقية تتجاوب مع تطلعاتها المشروعة، واستراتيجية دبلوماسية متزنة تجعل من الجغرافيا القريبة نقطة تواصل وتكامل، لا ساحة لتصعيد الأزمات والمزايدات الانتخابوية.