بعد سنة من التدابير الظرفية التي راهنت عليها الحكومة لاحتواء موجة الغلاء، يبدو أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيحمل مقاربة مختلفة جذرياً، عنوانها الانتقال من منطق "الاستجابة للضغوط" إلى منطق "الاستباق والتنظيم". فالمذكرة التقديمية للمشروع، التي اطلعت عليها الجريدة، لا تكتفي بسرد الإجراءات، بل ترسم خريطة طريق معقدة لإعادة أسعار المواد الغذائية إلى مستويات معقولة، عبر مقاربة تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والوساطة، وصولاً إلى رفوف المتاجر.

الفكرة المحورية التي تنطلق منها الحكومة واضحة: لا يمكن خفض الأسعار دون معالجة الاختلالات البنيوية في مسالك التوزيع. ولهذا، ستعمل على تحديث أسواق الجملة، وتقليص تكاليف الوساطة، وتعزيز شفافية المعاملات، مع الحرص على تحقيق توازن دقيق بين حماية القدرة الشرائية للأسر وضمان هامش ربح منصف للمنتجين، وهو ما تعتبره الحكومة شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح.

لكن الحكومة لا تراهن على الأسعار وحدها. فموازاة مع هذه الإجراءات، ستتدخل بشكل مباشر على دخل الأسر، عبر دعم أسعار الكهرباء، والرفع من الحد الأدنى لمعاش التقاعد ومعاش الأرامل، والشروع في إصلاح الضريبة على الدخل. وهي خطوات تعكس وعياً بأن معالجة الغلاء لا تكتمل دون تعزيز القدرة الشرائية من الجانب الآخر.

وبخصوص تأمين التموين، تعتزم الحكومة إعداد مخططات موسمية للمنتجات الاستراتيجية، تعطي الأولوية للحبوب والبطاطس والبصل والطماطم واللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون، بحيث تمكن هذه المخططات من مواءمة الحاجيات مع الإنتاج المتوقع والمخزونات المتاحة والصادرات المتعاقد بشأنها، وتحديد حالات الخصاص قبل حدوثها. وفي الحالات الاستثنائية، ستتدخل الحكومة بضبط الصادرات، لكن بشكل مؤقت ومتناسب مع الوضعية، عبر عتبات دقيقة تتعلق بمستويات المخزون والأسعار ومدة تغطية الحاجيات، مع احترام الالتزامات التجارية، وفي حال توقع عجز، سيتم الإعلان عن جدول زمني للواردات مع تخفيض الرسوم الجمركية.

أما على مستوى إصلاح قنوات التوزيع، فالأمر يتجاوز الترقيع. الحكومة تعتزم إعداد إطار تشريعي جديد يحدد شروط إحداث وتدبير أسواق الجملة، ومراجعة نظام الوكلاء، وفصل الجبايات المحلية عن إلزامية المرور الفعلي عبر أسواق الجملة. وبالتوازي، سيتم إدخال المركب الجهوي للتسويق بالرباط وسلا والصخيرات وتمارة حيز الاستغلال بغلاف مالي يقدر بمليار درهم، في أفق إرساء شبكة وطنية تضم اثني عشر مركبا جهوياً.

ولم تغفل الحكومة البعد المؤسساتي، إذ تعتزم إحداث ست شركات جهوية للتوزيع في الأحواض الفلاحية الكبرى (سوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة وعبدة والشرق)، على أساس دفتر تحملات موحد واقتصاص سنوي. لكن الحكومة تحرص على توضيح أن هذه الشركات لن تكون وسيطاً عمومياً يحتكر الشراء وإعادة البيع، بل ستوفر للفلاحين والتعاونيات خدمات التجميع والفرز والتلفيف والتبريد والنقل، وتمكنهم من البيع بالمزاد أو بموجب عقود، بما يخلق منافسة فعلية بين المسالك المختلفة.

وفي ما يخص اللحوم والأسماك، ستعمل الحكومة على بناء وحدات تخزين بالتبريد بتعريفات تحفيزية في أهم موانئ الصيد التقليدي (العرائش والحسيمة وآسفي وطانطان والعيون والداخلة)، لتطوير عقود التموين المباشر التي تربط المنتجين والتعاونيات بتجار التقسيط والأسواق الكبرى ومؤسسات الإطعام الجماعي، مع تحديد الكميات والجودة وآجال التسليم والأداء وقواعد مراجعة الأسعار. أما اللحوم الحمراء، فستشمل التدابير التعريف الرقمي للقطيع، وتأهيل أسواق الماشية والمجازر، واعتماد الوزن والفوترة، وتعزيز قابلية التتبع.

وأخيراً، ستُرسي الحكومة نظاماً وطنياً للمعلومات حول أسواق المواد الغذائية، يشمل سلة من المنتجات ذات الأولوية، ويتيح تتبع الأسعار عند الإنتاج والجملة والتقسيط، ومستويات المخزون والتدفقات، مع آليات إنذار في حال ارتفاع غير اعتيادي في الهوامش التجارية أو خلل في التوفر. وستعزز المراقبة الدائمة القائمة على المخاطر، مع إدماج تدريجي للفوترة الرقمية وآليات التتبع الصحي والجبائي، لمكافحة التخزين لأغراض المضاربة والغش في الوزن أو الجودة، وإحالة الملفات على مجلس المنافسة عند الاقتضاء.