الفضيحة الكبرى لميناء طنجة المتوسط: ما حدث للمغاربة لا يحدث حتى للشعوب النازحة تحت ويل الحروب

بعد الفضيحة الكبرى التي تسبب فيها مسؤولو ميناء طنجة المتوسط، عبر تعذيب ممنهج لعشرات الآلاف من المواطنين المغاربة، أغلبهم من المهاجرين المغاربة بالخارج، سال الكثير من المداد حول هذه الفضيحة غير المسبوقة، والتي سيتم تخليدها في سجل الأغبياء الذين تسببوا فيها، والذين يجب أن يخضعوا للمحاسبة والمحاكمة، على أقل تقدير. رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين بطنجة، نشرت مؤخرا مقالا وافيا عن هذه الفضيحة، ونظرا لأهمية الموضوع واستيفائه الكثير من التفاصيل المحزنة، نعيد نشره على موقع “طنجة 40”، حتى يكون المغاربة في كل بقاع العالم على دراية بتفاصيل هذه الفضيحة المدوية، الذي جابت أصداؤها مختلف بقاع العالم، وجعلت الميناء المتوسطي أضحوكة حقيقية، وفضت على كل الأكاذيب التي يروجها مسؤولو ميناء طنجة المتوسط. وفيما يلي نص الموضوع: لم تكن الجالية المغربية في المهجر تتوقع أن تجد نفسها خلال مرحلة العودة إلى أوربا عبر الميناء المتوسطي بطنجة في نهاية شهر غشت 2018 أنها ستتعرض للحجز وسط سلسلة متصلة من الطوابير الممتدة من وسط ملوسة إلى داخل الميناء على بعد حوالي 20 كيلومترا .. في انتظار السماح لها بالإبحار والعودة إلى دول المهجر، حيث أدى الارتجال وسوء التنظيم إلى التدفق اليومي لعشرات الآلاف من المسافرين على متن سياراتهم ابتداء من يوم السبت . 25 غشت الذي عرف وقوع احتجاجات وسط الميناء على تأخر إقلاع البواخر المخصصة للعبور. وكان رد فعل سلطات الميناء هو إحضار فرقة نحاسية لإطلاق النغمات بهدف التشويش على المحتجين الذين كان لهم مطلب واحد هو وفاء المسؤولين بالالتزامات، وإطلاق سراحهم والسماح لهم بمغادرة الميناء والعودة إلى ديارهم بسبب ارتباطهم بمواعيد العلاج واستئناف العمل وكذلك الدخول المدرسي. ومنذ ذلك اليوم، ظل المشكل في تصاعد مع تزايد عدد الوافدين على الميناء المتوسطي وميناء طنجة المدينة، حيث وصل العدد الذروة يوم الخميس30 غشت الذي شهد عبور حوالي 53 ألف مسافر و 11 ألف سيارة. واستمر ذلك إلى يوم الجمعة والسبت، حيث استمر امتداد تلك الطوابير التي تجاوزت مدة انتظارها 24 ساعة قضاها المسافرون عالقين وسط سيارتهم تحت أشعة الشمس الحارة طيلة النهار الذي يتسم بارتفاع درجة الحرارة بسبب هبوب رياح الشرقي. وكذلك تحت جنح الظلام ليلا بسب انعدام الإنارة على صعيد المحور الطرقي الذي حكم عليهم بالاحتباس بداخله .. ففي مشهد استثنائي يذكر بحالة النزوح أيام الحروب، تجمع ذلك العدد الهائل من المواطنين مكبلين بسياراتهم التي لا يستطيعون الفكاك عنها بسبب عدم وجود أي ملجأ أو منفذ يمكن الخروج منه . ومما زاد من معاناة المحاصرين خلال تلك الساعات الطوال هو تواجدهم في الخلاء وسط العراء بعيدا عن التجمعات السكنية، مما جعلهم يعانون من الخصاص في الماء والطعام والمرافق الصحية وأماكن الاستراحة. وقد ازدادت المشكلة حدة بالنسبة للعجزة والمرضى وصغار الأطفال والرضع والنساء الذين عانوا من الصعوبات المرتبطة بالحاجة إلى الدواء والطعام المنتظم، وحليب الرضاعة والحفاظات . وكانت المشكلة العويصة هي عدم توفر ماء التنظيف، وغياب المرافق الصحية، مما اضطر الجميع للاختلاء بنفسه لقضاء حاجته في العراء وسط الأحراش معرضين أنفسهم للإهانة وللأخطار لدغات الحشرات السامة، ولمضايقات الحراكة الذين ظلوا يتربصون بهم من أجل التسول أو البحث عن منفذ للتسلل إلى مخابئ عربات النقل .. بل كانوا ملزمين أيضا بتشغيل محركات السيارات من أجل الإبقاء على شحن البطاريات مع ما يستلزمه ذلك من إحتراق للوقود.. وكان العنصر الإيجابي الذي خفف عنهم الآلام نسبيا هو التآزر فيما بينهم والتعاون.. ولقد ظلت سلسلة الطوابير الممتدة على ثلاثة خطوط داخل الطريق السيار. وكذلك الطريق الرابط بين قصر المجاز والميناء شبه جامدة لعدة ساعات. ولم تكن تتحرك إلا بشكل بطيئ شبيه بسيرالسلحفاة.. يزداد الأمر إيلاما حينما تأتي الأخبار من الصفوف الأمامية محملة بالأخبار المتشائمة التي تتعلق باستمرار العوائق والعراقيل .. وتفاعلا مع ما تناقلته وسائل الإعلام، عملت رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين على تسجيل حضورها في عين المكان من أجل الوقوف هذا الوضع عن كثب..وذلك بعد متابعتها لتصريحات المسؤولين الذين حاولوا التلطيف من حدة المشكل.. ومن خلال الحوار الذي أجريناه مع عدد من المحاصرين وسط الطريق السيار مساء يوم الجمعة بهدف التعرف على طبيعة المشكل من وجهة نظرهم، أجمعت ردود الفعل على التعبير عن الاستياء والألم. وهناك من أعتبر أن الأمر لا يحتاج إلى الكلام، لأن الحالة هي خير معبر عن الصعوبات التي ترافق عملية عودة المهاجرين .. والتي لا يفسرها إلا شيء واحد ، وهو فشل المسؤولين في تدبير هذه المرحلة، رغم إطلاق معزوفة الشعارات التي اعتادوا على ترديدها بهذه المناسبة، حيث عبر البعض ممن التقينا بهم عن قلقهم على المستقبل، لأن ما تعرضوا له هذه المرة لا يعبر عن التقدم والتطور إلى الأمام، بل هو ارتكاس وعودة إلى الوراء بسبب إعادة إنتاج نفس المشاكل التي ظلت عالقة بهذا الملف منذ عهد ميناء طنجة المدينة، وذلك في الوقت الذي كان الكل يعتقد أن هذه الصفحة قد طويت بالكامل، وأنها ولت إلى غير رجعة، مع إنجاز مشروع الميناء المتوسطي .. لقد حدد المحاصرون بعض أسباب تفاقم المشكل الذي فاجأ الجميع، وضرب كل التوقعات والسيناريوهات المعدة من طرف المسؤولين .. وفي مقدمة ذلك: *هناك قلة البواخر، وبطء عملية القيام بالمراقبة وتعبئة استمارة السفر، وختم الجوازات خلال كل المراحل، وإنجاز المراقبة الجمركية بسبب البيروقراطية، وقلة الموارد البشرية المكلفة بتتبع هذه العملية داخل البواخر وخارجها في الميناء .. هذا بالإضافة إلى عقلية الجمود التي تطبع سلوك أرباب البواخر التي لا تحترم المواعيد، فضلا عن انشغالها بتحقيق الربح من خلال الرفع من عدد الركاب وتجاوز الطاقة الاستيعابية بشكل يتسبب في تدني الخدمات وتراجعها بشكل ملموس.. ثم عدم تدخل المسؤولين لضبط إيقاع تدفق المهاجرين قبل دخولهم إلى الطريق السيار بسبب عدم توفر باحات الاستراحة التي تمت تصفيتها مثل باحة كزناية، وباحة مالباطا، حيث لم تتبق إلا محطة الغابة الدبلوماسية التي امتلأت عن آخرها بسبب محدودية طاقتها الاستيعابية .. * ومن جانب آخر ظلوا يتساءلون عن غياب التواجد الأمني الكفيل بتغطية هذا العدد الهائل من المسافرين إذا استثنيت تحركات عناصر من الدراجين التابعين للدرك الملكي، وهو ما لم يكن كافيا لتوليد الاطمئنان الكافي لدى المشتكين. *غياب الوسائل اللوجيستية اللازمة في مثل هذه الحالات، والتي إن وجدت بشكل محتشم، فإنها أيضا لم تولد الاطمئنان لدى هؤلاء، حيث ظلوا يتساءلون عن المصالح الصحية، والوقاية المدنية، والمؤسسات المدنية المختصة بتتبع أحوال المهاجرين. وظلوا يتساءلون عن الغياب الكلي للمسؤولين، حيث لم يشهدوا زيارة أي مسؤول من أجل مواساتهم، واستفسارهم عن حاجاتهم. بل ظلوا يتساءلون عن من يمكن أن يقدم لهم الماء والطعام .. ومع ذلك ظلوا يقولون “إن الله قدر” ، ولا بد من التحلي بالصبر من أجل تجاوز السراط الذي فرض عليهم إلى ما لا نهاية .. وهم يتساءلون عما سيكون عليه الموقف في العام المقبل. فهل ستستفيد الجهات المعنية من أخطاء هذه العملية ؟ هل سيكون المسؤولون صادقين في خطابهم الذي يجب أن يطابق الحقيقة؟. وقد أخذوا يجرون المقارنة بين الأجواء المرافقة لعملية الدخول والخروج، حيث يرون أنهم استقبلوا بترحاب عند دخولهم، فكانت المصالح الوزارية وكذلك مؤسسة الميناء تقدم الإحصائيات كل يوم عن معدل العودة من أجل عرض نجاحها وكشف حنة يدها، للتعبير عن التفوق الذي وصل إليه الميناء المتوسطي في مجال الاستقطاب، لكنه حينما حلت مرحلة العودة، حل التشاؤم محل التفاؤل، وتغير الخطاب، وبدأ الحديث عن عبء العدد، وعن محدودية الإمكانيات وقلة البواخر، مع تحميل المسؤولية للمهاجرين الذين يراد منهم أن يعلموا الغيب وأن ينظموا أنفسهم بأنفسهم، حيث يطلب منهم أن يقوموا بكيفية تلقائية على توزيع أنفسهم حسب الأيام المتبقية من العطلة لتلافي الوقوع في الازدحام . وهنا وقف حمار الشيخ في العقبة .. وقد تساءلوا بسبب هذه الفضيحة عن مدى أهلية المغرب الذي يمني نفسه باستقبال المونديال أو أية تظاهرة دولية أخرى يعلق عليها الأمل مستقبلا في ظل هذه الأوضاع المتردية التي تعبر عن الأفق المسدود .. ألم تكن كل الجهات المتدخلة في هذا الملف على علم بهذه التوقعات، وخصوصا مع تزايد عدد المهاجرين الذين فضلوا أن يحيوا عيدهم داخل أرض الوطن؟.. ألم يكن هذا العدد الذي قارب المليون مسافر والآلاف من العربات والسيارات كافيا لوضع خطة استباقية لتفادي وقوع هذا المشكل الذي يمس بسمعة الوطن؟.، ألم يكن الوقت كافيا للتعاقد بشكل استثنائي مع شركات الملاحة في مواني بعض الدول التي تتواجد فيها الجالية بكثافة مثل هولندا، ألمانيا. وإنجلترا ..؟ ألم يكن الوقت كافيا للتحرك بسرعة من أجل اتخاذ الترتيبات اللازمة للحيلولة دون تدفق هذه الأعداد الضخمة على الموانئ ؟ ألم تكن هناك إمكانية إعادة الروح إلى ميناء طنجة المدينة، من خلال الزيادة في عدد البواخر؟. لكن يبدو أن الجهات التي تصر على احتكار الربح واستغلال المركب المينائي، ترى ضرورة العمل بهذه المقترحات، ولا يهمها بتاتا أن يعاني المسافرون مهما اشتدت معاناتهم . إن ما كان يتعرض له المهاجرون في ميناء طنجة سابقا من معاناة، هو أقل بكثير، مما لحقهم هذه السنة على مستوى الميناء المتوسطي من نفي وحصار.. لأنهم في السابق كانوا -على الأقل- يجدون أنفسهم داخل المدينة، وقريبا من المرافق العمومية، كما كانوا مرتبطين بمحطات الاستراحة بعيدا عن الخلاء والضياع وطول الانتظار وسط الظلام .. ومما يثير انشغال الرأي العام ويطرح أكثر من تساؤل، هو لماذا تلتصق هذه الصعوبات بخدمات الموانئ المغربية بشكل مستمر سواء خلال مرحلة العبور أو خارجها.. وهو شيء لا وجود له في موانئ الجارة إسبانيا بدءا من سبتة والجزيرة الخضراء، علما أن الأمر يتعلق بنفس عدد المسافرين الذين يمرون عبر ميناء طنجة.. فهناك فرق كبير على مستوى الكفاءة المهنية والسلاسة في إنجاز الخدمات، بالإضافة إلى الفرق الشاسع في التعامل والسلوك على مستوى التعامل الإنساني والأخلاقي والتقني والإداري. لكن هناك فرق في العقلية وفي ثقافة المعاملات، وفي درجة تحمل الإنسانية ومراعاة الاعتبارات الإنسانية. فهل يخدم كل ذلك مصلحة المغرب ومستقبله وعلاقته بمواطنيه في الداخل والخارج ؟
