بعد ليلة من الفوضى في قلب برشلونة، بدأت الصورة تتضح. فما جرى مساء السبت لم يكن احتجاجاً بالمعنى المألوف، بل شيئاً آخر: مجموعات شابة صغيرة، تجمعت عبر تيك توك، وخرجت لارتكاب أعمال تخريب ونهب، دون أي مظاهرة حقيقية سابقة.
المفوضة العامة لشرطة "الموسوس ديسكوادرا"، سيلفيا كاتا، وصفت ما حدث بأنه "غير قابل للتفسير تقريباً". وقالت في تصريحات إذاعية: "لسنا أمام مظاهرة اعتدنا تأمينها، حيث يتظاهر الناس بشكل مشروع ومنظم، ثم تأتي مجموعة صغيرة في النهاية لمواجهة الشرطة". وأضافت: "هؤلاء ليسوا مجموعات تطالب بحقوق، ولا عصابات منظمة، بل أشخاص يجتمعون عبر تيك توك، يشكلون مجموعات صغيرة لارتكاب أعمال تخريبية وسرقات في المتاجر".
الأرقام تكشف الحجم الحقيقي
من أصل 128 موقوفاً حتى الآن، هناك 72 قاصراً، بعضهم لا يتجاوز 14 سنة. التوزيع حسب الجنس: 122 رجلاً و6 نساء. فقط اثنان لديهما سوابق في الإخلال بالنظام العام، لكن 18 راشداً و7 قاصرين لديهم سوابق في قضايا أخرى.

شرطة كتالونيا أكدت أن أهالي جميع القاصرين الموقوفين تم إبلاغهم بالوضعية القانونية لأبنائهم.
"عنف ترفيهي"
عالم الجريمة أمادي ريكاسنس، أستاذ القانون الجنائي، قدّم توصيفاً دقيقاً: "ليس عنفاً ثورياً، لأنه لا يهدف إلى تغيير نموذج السلطة ولا يطالب بالاندماج في المجتمع. إنه عنف ترفيهي، شبه احتفالي. يدعونك عبر الشبكات فتذهب وكأنك في حفلة. هناك شيء من القطيع".
وأضاف: "كثير من المشاركين أبرياء جداً، كثيرون يتصرفون بوجوه مكشوفة. لكنهم يسببون خسائر اقتصادية، وبالتالي هناك مسؤوليات مدنية وإدارية على الشباب أنفسهم، أو على الآباء إذا كانوا قاصرين، أو على الإدارة إذا كانوا تحت الوصاية".
السلوكيات الهواة والعنف المرتفع
فيديوهات تداولها المشاركون أنفسهم على الشبكات، يظهرون فيها وهم يرتكبون جرائم ويعرضون المسروقات، وصلت إلى حد تداول رسائل تدعو إلى تغيير موعد عمل مماثل كان مقرراً في 31 أكتوبر لأنه "يتزامن مع ليلة الهالوين".
المفوضة كاتا أبدت دهشتها من مستوى العنف، ليس فقط ضد الفضاء العام بل ضد الشرطة: "لدينا شرطي أصيب بجروح في الرأس نتيجة رشق بحجر".
وأوضحت أن المصالح الأمنية تحلل ملف 450 شخصاً جرى تحديد هويتهم، بينهم راشدون وقاصرون: "سنتحقق مما إذا كانت لديهم أسرة، وهل كانوا مصحوبين. حتى نحصل على هذه المعلومات، لن نعرف ما الذي يقف وراءهم".
وأشارت إلى أن عمليات التحديد أسفرت عن 68 محضر شكاية، بعد ضبط "أشخاص يحملون أقنعة، ألعاباً نارية، بخاخات، حجارة"، و"أربعة أشخاص يحملون أسلحة بيضاء".
دور تيك توك
"دعوة +Blocus Barcelona+ تمت عبر تيك توك، وهي شبكة يستخدمها القاصرون بكثافة. هذه الشبكة هي التي حرضت على أعمال الشغب، ونراقبها لمعرفة من يقف وراءها"، تقول كاتا.
أستاذ الفلسفة والحركات الاجتماعية، جوردي مير، يوضح أن "الدعوة لم تنطلق من أي جماعة منظمة، بل من مجموعة رسائل تنتقل بطريقة غير واضحة وتصل إلى فضاءات مختلفة حيث يجد أناس أنفسهم معنيين في سياق تعبئة عامة في أوروبا".
أستاذ العلوم السياسية، تشافي تورينس، يرى أن "هناك تقليداً للتوجه الأوروبي في النهب والسلب والتخريب، كما نشاهده في باريس أو ميلانو".
أما ريكاسنس، فيذهب أبعد: "هؤلاء الشباب جرى التلاعب بهم عبر تيك توك". ويتساءل: "من يستفيد من هذه التعبئة عبر الشبكات؟ لا أتحدث عن نظريات المؤامرة، بل عن شباب مُتلاعب بهم، لم يواجهوا على الأرجح مشاكل سكن ولا صعوبات في تدبير شؤونهم". ويضيف: "يجب معرفة من يستفيد من هذه الفوضى، ومن يستفيد من هذه الوضعية الصراعية في أوروبا، ومن يستفيد منها في سياق ما قبل الانتخابات الإسبانية، ومن يستفيد منها قبل أيام من إضراب عام حول السكن".
ما العمل؟
تورينس يدعو إلى "رد سريع وشامل: أمنياً، ومؤسساتياً عبر نزع الشرعية عن هذه الأفعال، واجتماعياً وتربوياً". ويشدد على "وساطة أمنية وتربوية" في المؤسسات التعليمية للوقاية من هذه السلوكيات، مع "تدخل الأسر".
التعليقات
أضف تعليقك