كيف يحيي أهل تطوان ليلة القدر؟

حينما تشرف شمس السادس والعشرين من رمضان على المَغيب، تفتح تطوان قلبها لاستقبال ليلة القدر “ليلة الفوز والعز والعتق” بطقوس قد لا تشبه غيرها، و يمتزج فيها عبق التاريخ بكل تجلياته بأصوات المادحين، وتتحول المساجد إلى منارات للذكر والتهليل والتكبير والاستغفار . ولا يقتصر إحياء هذه الليلة المباركة على المساجد والزوايا ، بل يمتد ليشمل البيوت ، وتتوج بتزيين الفتيات الصغيرات كعرائس في طقس “الشدة التطوانية” الشهير تشجيعا لهن وتوثيقا للموروث الثقافي ، مع طقوس تتضمن التبخير، الحناء، تقديم الحليب والتمر، وتقديم “لويزة” (قطعة ذهبية) لمن كانت له القدرة على فعل ذلك . وتعتبر تقاليد إحياء ليلة القدر في مدينة تطوان مرآة عاكسة للهوية الثقافية المركبة للمدينة، حيث تتقاطع فيها الروحانية الإسلامية مع الرقي الأندلسي المتوارث ، ولم تكن هذه الليلة يوما مجرد مناسبة للتعبد فحسب، بل هي محطة سنوية لاستعراض التراث اللامادي التطواني بتمظهراته المتعددة وروافده الأصيلة المتقاطعة بتناغم وانسجام . ومدينة تطوان ليست فقط مدينة عتيقة تاريخية فحسب، بل هي حافظة أمينة للتراث المغربي ، ويتجلى ذلك بأبهى صوره في ليلة القدر المباركة ،حين تكتسي المدينة حلة من الروحانية والجمال وتختلط تراتيل القرآن بعبق الطقوس الاجتماعية الحريصة على قيم التضامن والتآزر والتعاون وتكريم الإنسان ،الحي والميت ،بزيارة المقابر للاتعاظ والدعاء للموتى . ومن أبرز العادات والتقاليد التي تميز هذه الليلة المباركة في تطوان كونها ليلة “الختم”، حيث تسعى معظم المساجد الكبرى (مثل الجامع الكبير وجامع القصبة ومسجد محمد السادس ومسجد الحسن الثاني ومسجد الأمة..) إلى ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في هذه المساجد التي تُبخر بأجود أنواع العود وتُضاء فيها الثريات ابتهاجا وتقديرا لليلة جعلها الله خيرا من ألف شهر . و ليلة القدر هي “عرس الصغار” في تطوان، ولها طقوس اجتماعية فريدة ،ففيها يتم الاحتفال بالأطفال الذين صاموا لأول مرة (أو صاموا اليوم كاملا) كأنهم عرسان و تُنقش الحناء للفتيات الصغيرات ويرتدين “الشدة التطوانية” ، بينما يرتدي الفتيان الجلباب المحلي . و لا يمكن أن تمر ليلة القدر دون طبق الكسكس بـ “التفاية” (الزبيب والبصل المعسل) والدجاج أو طبق “التْريد” (يقدم أيضا خلال الاحتفال بعيد المولد)،وتجتمع العائلات التطوانية على مائدة واحدة بعد صلاة التراويح. كما يتم في هذه الليلة المباركة تبادل الأطباق المُحضرة بين الجيران، وإرسال حصص منها إلى المساجد لإطعام المعتكفين وعابري السبيل، فيما يعرف بـ “الصدقة”. و بعد الانتهاء من الشعائر الدينية، تدب الحياة في أزقة المدينة و تستمر الزيارات العائلية حتى وقت السحور. وهناك اعتقاد “ديني” في تطوان بأن “أبواب السماء تفتح”، لذا تكثر الأدعية وتجتمع النساء لترديد الأمداح النبوية والأذكار في البيوت ، في أجواء تغلب عليها السكينة والوقار ،وهناك من يتوجه الى مقبرة سيدي المنظري لمراقبة شروق شمس اليوم الجديد ،وهي عادة تجمع بين الروحانية والجمال البصري الفريد، خصوصا في تحري علامات ليلة القدر في مكان مرتفع يطل على مشهد بانورامي لمدينة تطوان العتيقة وجبال الريف المحيطة بها ومرتيل ومنطقة بني معدان . و تودع تطوان ليلة القدر بقلوبٍ خاشعة وأرواحٍ متصلة، لكن أريجها يبقى فواحا في شوارع وأزقة المدينة يستمد منها أهل المدينة طاقة إيمانية تلازمهم حتى رمضان المقبل بحول الله .
