تطوان :نبض كرة القدم في ليالي رمضان

تعتبر دوريات كرة القدم الرمضانية في تطوان، أو ما يُعرف محليا بـ “طروفيوس”، جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والرياضية للمدينة خلال هذا الشهر الفضيل ، و هي أكثر من مُجرد ممارسة رياضية ،بل إنها طقس اجتماعي يجمع بين الحماس، الروح الرياضية، ولمة الجيران. وتتحول الساحات العمومية وملا عب القرب والفضاءات الواسعة المناسبة إلى خلايا نحل لا تهدأ وتشهد تنافسا كبيرا وحضورا جماهيريا غفيرا وتخضع لتنظيم محكم ،و قد تستقطب لاعبين سابقين وحاليين من فرق معروفة محليا ووطنيا . وتجري الدوريات في فترتين زمنيتين ،فترة ما قبل الإفطار (المباراة الحارقة) و غالبا ما تبدأ بعد صلاة العصر مباشرة وتستمر حتى الدقائق الأخيرة قبل الأذان ،و تتميز هذه الفترة بالرغبة في تزجية الوقت رغم التعب والعطش ،وفترة ما بعد التراويح ، وهي الفترة الأكثر صخبا وتنافسية ، حيث تُقام المباريات تحت الأضواء الكاشفة في ملاعب القرب، وتستمر أحيانا إلى الساعات الأولى من الفجر. ومن مميزات دوريات تطوان ،التي تجري تحت شعار “الرياضة أخلاق” قبل أن تكون فوزا وخسارة ، تواجد مهارات فردية مثيرة للاهتمام والانتباه ،وغالبا ما يتكلف شباب الحي بجمع “الانخراطات” لشراء الكؤوس والميداليات، وتجهيز الشباك وتخطيط الملعب ،كما لا تقتصر الفرجة على الشباب بل تجد كبار السن والشباب والأطفال يصطفون حول جنبات الملعب، مما يخلق ضغطا “جماهيريا” ممتعا . ورغم بساطة هذه الدوريات ، لا شك أنها تساهم في تعزيز الروابط و تقوية العلاقات بين أبناء الحي الواحد وبين الأحياء المختلفة المجاورة أو البعيدة ،كما تساهم في اكتشاف المواهب ،فالعديد من نجوم “المغرب التطواني” والفرق الأخرى التي تمثل المدينة بدأت مسيرتهم من هذه الملاعب الترابية أو من ملاعب القرب الرمضانية. و تظل دوريات كرة القدم الرمضانية بتطوان مرآةً تعكس حيوية “الحمامة البيضاء” وقدرتها على تطويع الرياضة لخدمة الروابط الاجتماعية ،سواء في تلك الساعات التي تسبق الإفطار، حيث يغالب الشباب التعب بروح التحدي والمداعبة الكروية، أو في تلك السهرات الصاخبة بعد صلاة التراويح تحت الأضواء ، و يبقى الهدف الأسمى منها هو “اللمة” التطوانية الأصيلة. إن هذه المنافسات ليست مجرد بحث عن لقب أو تتويج، بل هي مدرسة سنوية لترسيخ قيم التضامن، والانضباط، والتواصل بين الأجيال، حيث يلتقي قدماء اللاعبين بالشباب الصاعد في أجواء صحية تزيد من تماسك المجتمع . وهكذا تستمر تطوان في كتابة فصول عشقها للمستديرة، محولةً شهر الصيام إلى عرس رياضي لا يكتمل رمضان بدونه منذ زمن بعيد .
