الدقاق بتطوان عميد الأجواء الرمضانية!

الدقاق بتطوان عميد الأجواء الرمضانية!
عبد العزيز حيون 2026/02/20 على الساعة 16h56

كباقي مدن المغرب العريقة تمتلك مدينة تطوان طقوسا رمضانية فريدة تمزج بين الإرث الأندلسي والإرث الجبلي الأصيل، وفي خضم هذا التفرد الحضاري تبرز شخصية الدقاق (أو المسحراتي كما في تعبير بعض الدول العربية) ،وهو أحد أهم أعمدة الأجواء الرمضانية التي لا تكتمل بدونه. وبالرغم من التطور التكنولوجي وانتشار الهواتف الذكية ووسائل التنبيه المختلفة، إلا أن تطوان لا تزال تحافظ على هذا التقليد كرمز للهوية الثقافية والروحية لمدينة تعبق بروح الأصالة رغم اندثار عادات جميلة للأسف . ولقد اختصت عائلات في تطوان في “مهنة ” الدقاق الرمضانية ،رغم موسميتها، وتعتبره “صوت الفجر الأصيل” ،و هو الشخص الذي كان سابقا يستخدم عصا خشبية يطرق بها على أبواب البيوت الخشبية في المدينة العتيقة كما في الأحياء الشعبية ، مما يولد رنينا مميزا يعرفه السكان جيدا . وهناك بعض “الدقاقة” من يحمل طبلة تقليدية ويجوب أزقة المدينة العتيقة وأحياء أخرى ، كحي سانية الرمل ،في الوقت الموعود قبل صلاة الفجر. وللدقاق أسلوب متميز وفريد سواء بملبسه التقليدي (الجلابة والبلغة) أو بنداءاته التي تكون بصيغة دينية صرفة ولها طابع روحاني وتحفيزي مثل: “قوموا تسحروا يا عباد الله” ،و “سبحان الحي الذي لا يموت” ،وتذكير بالله والصلاة على النبي ﷺ لتنبيه الناس لموعد السحور وأداء الصلاة . ويرى أهل تطوان في الدقاق أنه ليس فقط شخص يقوم بمهمة إيقاظ النائمين للاستعداد للتراويح وصلاة الفجر/الصبح وتفادي عدم أخذ وجبة السحور بل هو جزء من “بركة” الشهر الفضيل بكل ما تعني الكلمة من معاني وهو جزء لا يتجزأ من الطقوس الرمضانية الأصيلة المعبرة والجميلة . ويعد الطبل الأداة الأساسية التي يقرع عليها الدقاق اليوم بنغمات موزونة ومنتظمة وهو يردد عبارات دينية وروحانية مما يعطي مشهدا بصريا يعود بالذاكرة لقرون مضت لكن أطوارها لازالت في ذاكرة التطوانيين الأصيليين . و الدقاق ليس مجرد “منبه” صوتي، بل هو أيضا شخصية محبوبة في أحياء المدينة العتيقة وفي الأحياء الشعبية ويعرفونه سكان الحي بالاسم الشخصي والإسم العائلي ، وغالبا ما تربطه بهم علاقة مودة واحترام وتقدير حتى ولو كانت مهنته مهنة موسمية . و تساهم أصوات طبل الدقاق في خلق أجواء روحانية خاصة تميز “ليل تطوان”،وبدونه، يشعر سكان المدينة بنقص ما في طقوسهم الرمضانية، فهو يربط الأجيال الصاعدة بتاريخ أجدادهم ويحافظ على سحر المدينة القديمة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1997، نظرا لطابعها الأندلسي العريق وخصوصياتها المبهرة . وفي نهاية رمضان، يمر الدقاق على المنازل لتهنئة الناس بالعيد، على أن يقدموا له قيمة مالية كل حسب قدرته وإمكانته و “الفطرة” (زكاة عيد الفطر بتعبير أهل شمال الملكة ) و حلويات العيد ، تعبيرا عن الامتنان لمجهوده طيلة رمضان الذي قام به بدون كلل وبغض النظر عن الطقس والأحوال الجوية السائدة في رمضان . و إلى جانب الدقاق، تشتهر تطوان بـ “النفار” الذي ينفخ في مزمار طويل نحاسي، وغالبا ما تصاحب هذه الأجواء نغمات الغيطة والطبل التي تُعزف فوق الصوامع أو في الفضاءات الكبرى لإعلان وقت الإفطار أو السحور، وهو تقليد أندلسي عريق لم تفرط فيه ساكنة تطوان الى اليوم خاصة داخل أسوار المدينة العتيقة .

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد على هذا المقال

تعليقات على المقال