قسوة فيضانات القصر الكبير، ميكيافيلية السيمو ولعنة "البانينكا" في نهائي الكان 2025

عرفت منطقة الشمال مع بداية هذا الموسم الفلاحي تساقطات مطرية استثنائية، تجاوزت في مجموعها عتبة 600 مليمتر من بداية الموسم الفلاحي في شهر شتنبر 2025 الى يناير 2026، في مشهد مناخي نادر كشف هشاشة البنيات التحتية وضعف الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية. هذه التساقطات الكثيفة أدت إلى ارتفاع منسوب سد وادي المخازن إلى أكثر من 140% من طاقته الاستيعابية، ما تسبب في فيضانات غير مسبوقة غمرت مدينة القصر الكبير وعددًا من القرى والمداشر المجاورة. الفيضانات لم تكتفِ بإغراق الأحياء السكنية والأراضي الفلاحية، بل خلّفت خسائر جسيمة في القطاع الفلاحي، وأدت إلى نفوق أعداد مهمة من القطيع، كما ضربت مصدر عيش آلاف الأسر. الأخطر من ذلك تهجير ساكنة مدينة القصر الكبير بالكامل، إضافة إلى سكان عدد من القرى المتضررة، نحو مناطق اعتُبرت أكثر أمانًا، من بينها طنجة والعرائش وأصيلة ومدن أخرى، في مشهد إنساني حزين؛ يعكس حجم الكارثة. وفي مفارقة لافتة، بينما كانت أنظار المغاربة مشدودة إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم، حيث أضاع إبراهيم دياز ضربة الجزاء أمام السنغال باعتماده ما بات يُعرف بـ“لعنة بانينكا”، كانت الساحة المحلية بالقصر الكبير تشهد “تقنية” من نوع آخر، أقل براءة وأكثر حسابًا. فبدل أن تُستثمر لحظة الكارثة في تفعيل منطق المسؤولية، والتعبئة الشاملة، وربط المحاسبة بالمساندة الفعلية للمتضررين، تحوّلت المأساة – في نظر كثيرين – إلى فرصة للاستغلال السياسوي بل حملة انتخابية سابقة لأوانها.رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، السيمو، بدا وكأنه يتعامل مع الفيضانات بمنطق ميكيافيلي خالص، حيث طغت لغة الظهور، والتصريحات، والتحركات ذات الحمولة الانتخابية، على حساب التركيز الصارم على جوهر المهمة: تدبير الأزمة، وحماية الساكنة، والدفاع عن مصالحها بعيدًا عن أي استثمار سياسي. فالكارثة الطبيعية، بدل أن تكون لحظة تضامن ومسؤولية، تحوّلت إلى منصة غير معلنة لحملة انتخابية مبكرة، استعدادًا للاستحقاقات الجماعية والتشريعية لسنة 2026. ونختم بالقول بأنه بين ضياع ضربة جزاء في النهائي القاري الأخير الذي احتضنه المغرب، وضياع بوصلة الأولويات في لحظة محلية حرجة، يظهر أن “البانينكا” ليست حكرًا على المستطيل الأخضر، وأن الميكيافيلية، حين تتسلل إلى تدبير الكوارث، تكون أشد قسوة من الفيضانات نفسها. لأن أخطر ما في الكارثة ليس فقط ما تُغرقه المياه، بل ما تكشفه من اختلالات في منسوب الأخلاق السياسية.
