مهد الطفولة يتحول إلى مسلخ للفساد: إقالة مدير الإقليمي للتعليم بشيشاوة تكشف كيف سرقت "مافيا الإعمار" أحلام أطفال الزلزال

مهد الطفولة يتحول إلى مسلخ للفساد: إقالة مدير الإقليمي للتعليم بشيشاوة تكشف كيف سرقت
طنجة 402025/12/17 على الساعة 11h02

 

في فضيحة تهزّ ضمير الوطن، أقدم وزير التربية الوطنية على إقالة المدير الإقليمي للتعليم بشيشاوة، في قرار لم يكن نقلًا إداريًا روتينيًا، بل جاء كالقشة التي قصمت ظهر بعيرٍ من الفساد والإهمال. فخلف الستار الرسمي، يكشف تحرك الوزير عن وثيقةٍ داخلية مدمّرة، رسمت خريطةً لمسار الأموال المخصصة لإعادة بناء مدارس دمّرها زلزال الحوز قبل عامين، لتتحول هذه الأموال من أملٍ للأطفال إلى وقودٍ لآلة فسادٍ محلية.

من قلب المفتشية العامة للوزارة، أُعدّ تقرير سريّ كالصاعقة، كشف كيف تحوّلت عمليات إعادة الإعمار إلى مسرحٍ للمحسوبية والهدر. فبدلًا من دراسة التضاريس الجبلية المعقدة للمنطقة، تم إطلاق صفقات بملايين الدراهم على الورق فقط، لتتبخر الميزانيات الوهمية تاركةً الورشات متوقفةً والأطفال محاصرين بين الخيام الممزقة والصفقات الوهمية. أحد المسؤولين السابقين وصف العملية بأنها "نظام مصمم للإخفاق"، حيث غياب الرقابة سمح بتحويل كارثة إنسانية إلى سوق سوداء للوساطة والمحاباة.

على الأرض، لا تزال كلمات الوزارة الرنانة عن "مدرسة الإنصاف" تذروها رياح معاناة حقيقية. في دواوير نائية مثل "أيت محند" و"تاسلي"، يذاكر التلاميذ تحت خيام بالية، تخنقهم حر الصيف وتغمرهم أمطار الشتاء. معلمة من المنطقة تروي بمرارة كيف تحوّل الفصل المؤقت إلى "جحيم يومي" بينما تتراكم الوعود الرسمية كغبار على الملفات المهملة. هذه المشاهد ليست شاذة، بل هي القاعدة في أكثر من خمسة عشر دوارًا حيث أصبحت "المدرسة الآمنة" حلماً بعيد المنال.

الضحايا الحقيقيون ليسوا الأرقام في التقارير، بل جيلٌ كامل يُدفع نحو حافة الهاوية. فإلى جانب الخطر المادي الذي يحيط بالأطفال، سجّلت الإحصائيات ارتفاعًا صادمًا في نسبة الانقطاع المدرسي، حيث فضّل كثير من الأهالي إنقاذ أبنائهم من "مدارس الموت" حتى لو كان الثمن هو الظلام الأبدي للأمية. باحث تربوي يصف الوضع بأنه "جريمة ضد المستقبل"، حيث يتم تسريب ثروة البلاد الحقيقية – أطفالها – عبر ثقوب الفساد والإهمال.

تطفو على السطح هنا أسئلة مصيرية: هل توقفت فصول هذه المأساة عند مدير إقليمي تمت إقالته؟ أم أننا أمام غيض من فيض منظومة فاسدة تسبح فيها أموال الكوارث والإغاثة بحرية؟ وأين دور الشركات الكبرى والمؤسسات التي أوكلت إليها المهمة؟ الأهم من ذلك كله، متى تتحول المحاسبة من إجراءات فردية إلى مراجعة شاملة تطال كل من سوّلت له نفسه أن يسرق من أنقاض المدارس ويعبث بمستقبل أطفال ضرب الزلزال بيوتهم، ليكتشفوا أن كارستهم الحقيقية قد تكون في مكاتب من يفترض أن يخلصوهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد على هذا المقال

تعليقات على المقال