شبكة المصالح والعشوائيات: كيف تحولت خروقات التعمير إلى أداة لإزاحة منتخبين قبل انتخابات 2026؟

شبكة المصالح والعشوائيات: كيف تحولت خروقات التعمير إلى أداة لإزاحة منتخبين قبل انتخابات 2026؟
طنجة 402025/12/11 على الساعة 12h48

 

يبدو أن ملف المناطق الصناعية العشوائية لم يعد مجرد خروقات عمرانية هامشية، بل تحوّل إلى فضيحة سياسية تهدد مستقبل منتخبين وازنين قبل انتخابات 2026. فوزارة الداخلية، التي بدت وكأنها فوجئت بحجم الفوضى الممتدة في الرباط والقنيطرة والمحمدية وبنسليمان ومديونة والنواصر وبرشيد والجديدة، استنفرت ولاةً وعمالاً ورجال سلطة لإظهار أن القانون لا يزال قائماً على الورق، على الأقل. التحرك المتأخر جاء في صيغة أوامر بالإسراع في تحرير محاضر مفصلة بشأن خروقاتٍ يعرف الجميع أنها ليست جديدة، لكنها تحولت فجأة إلى أوراق ضغط قد تنتهي بتوقيف منتخبين وإحالتهم على القضاء الإداري، في خطوة قد تُقرأ أكثر كإعادة ترتيب للمشهد السياسي المقبل، لا كمحاسبة صادقة.

اللافت أن موجة التشدد هذه تزامنت مع تقديم مشروع قانون تنظيمي جديد يشدد شروط الترشح ويغلق الباب أمام المدانين في الجنايات حتى ولو لم تصدر ضدهم أحكام نهائية، مع تعليق ملفات المتابعين ريثما تبت العدالة. هذه الإجراءات، التي يُسوَّق لها كتعزيز للنزاهة، قد تحمل في طياتها أيضاً رسائل سياسية واضحة، خاصة وأن المشروع يمدد حرمان المعزولين بسبب مخالفات جسيمة لمدتين انتخابيتين كاملتين، ما يعني إعادة رسم الخريطة الانتخابية عبر بوابة القانون.

مصادر متعددة تحدثت عن تعميم لوائح سوداء تضم أسماء منتخبين تورطوا في خروقات يمكن القول إن الكل كان مطلعاً عليها منذ سنوات، خصوصاً تلك المرتبطة بمستودعات وورش صناعية سرية جرى هدم بعضها مؤخراً. ورغم أن السلطات الإقليمية أعلنت نيتها تكثيف المداهمات خلال الأسابيع المقبلة، إلا أن السؤال يبقى حول سبب التغاضي عن هذه المعامل حين كانت تشتغل تحت أعين الجميع، بل تحت حماية سياسيين نافذين، كما هو الحال في النواصر ومديونة.

التقارير الصادرة عن لجان المراقبة كشفت إغلاق معامل سرية لصناعة الأكياس البلاستيكية وحجز أطنان من المواد، مع الإشارة إلى ترويج هذه المنتجات في الأسواق الأسبوعية تحت حماية غير مفهومة، وكأن منظومة الرقابة كانت جزءاً من المشكلة لا من الحل. أما المفتشية العامة للإدارة الترابية فوثقت ما يكفي من الاختلالات للمطالبة بعزل رؤساء جماعات آخرين، بعد رصد عبث خطير في رخص السكن وشهادات المطابقة، وهي خروقات لا يمكن أن تحصل دون شبكات نفوذ ممتدة.

رسائل شديدة اللهجة وُجهت للأعوان لتحذيرهم من التواطؤ، بعد أن كشفت مسوحات جوية تحوّل بؤر البناء العشوائي إلى مصانع محظورة تستنزف الماء والكهرباء وتلوث الفرشة المائية. لكن هذه الرسائل تطرح سؤالاً يفرض نفسه: هل كانت السلطة فعلاً جاهلة بما يجري، أم أن تحريك الملف الآن مرتبط بالسياق الانتخابي أكثر مما هو مرتبط بحرمة القانون؟

انتشار هذه البؤر حول الدار البيضاء يعكس واقعاً آخر أكثر قتامة، حيث يتحكم بارونات البناء العشوائي في مجالات قروية حولها منتخبون نافذون إلى ورش مفتوح للفوضى العمرانية، كما حدث مع رئيس جماعة سبق عزله لكنه نجح في إيصال ابنه إلى المنصب للحفاظ على مصالح عائلته الممتدة فوق أراضٍ عمومية وخاصة، بما في ذلك ما يقع بمحاذاة السوق الأسبوعي “السبيت”.

بهذا الشكل، يبدو أن قصة “المناطق الصناعية العشوائية” هي أكثر من مجرد مخالفة تعميرية. إنها شبكة مصالح متداخلة تكشف خللاً عميقاً في الحكامة الترابية، وتظهر كيف يتحول القانون إلى سلاح يُشهر حين يلزم ترتيب المشهد السياسي، بينما يُغضّ عنه الطرف لسنوات عندما يكون في خدمة تحالفات المصالح.

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد على هذا المقال

تعليقات على المقال