12 سنة سجناً لمدير بنك في تطوان: عدالة تصفع الفساد المالي أم غياب الرقابة هو الجريمة الحقيقية؟

أصدرت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط حكماً قاسياً ضد دانيال زيوزيو، المدير الجهوي السابق لبنك الاتحاد المغربي للأبناك (UBM) والنائب السابق لرئيس الجماعة الحضرية بتطوان، حيث قضت بسجنه 12 سنة نافذة، مع غرامة مالية فادحة وتعويضات تقدر بمئات الملايين من الدراهم، بعد إدانته بتهمة اختلاس أموال الزبناء.
وكان زيوزيو قد أوقف قبل أكثر من عام من مكتبه داخل البنك نفسه، وتمت محاكمته في قضية هزت ثقة المودعين، وكشفت عن ثغرات خطيرة في النظام الرقابي الداخلي للمؤسسات المصرفية. وتضمنت التهم الموجهة إليه اختلاس أموال عمومية وتبديدها، في عملية وصفت بالمعقدة والغامضة، حيث تمكن من تحويل مليارات السنتيمات من حسابات الزبناء تحت غطاء وظيفته وموقعه المؤثر.
الحكم الصادر، رغم قسوته الظاهرة، يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الأحكام الجزائية وحدها على معالجة ظاهرة الفساد المالي داخل الجهاز المصرفي. فالسجن لـ12 سنة وتعويض بمئات الملايين قد يبدو رداً قضائياً قوياً، لكنه يظل علاجاً بعد الوقوع، بينما تبقى الجريمة الحقيقية في استمرار بيئة تتيح لمدير بمثل هذه الصلاحيات التحايل على النظام لسنوات.
القضية لا تتعلق فقط بسلوك فردي منحرف، بل تُلقي بظلالها على فشل الرقابة الداخلية للبنك، وغياب آليات المراقبة الفعالة من قبل الهيئات الوصية على القطاع المصرفي. كيف استطاع شخص واحد، مهما بلغت منصبه، الإفلات من الرادار ليتحول البنك إلى ساحة لاختلاس المليارات؟ وأين كانت أجهزة التدقيق والمراجعة الدورية؟
كما تبرز القضية إشكالية ازدواجية المناصب، حيث جمع المتهم بين منصب مصرفي رفيع وموقع سياسي محلي، مما يطرح علامات استفهام حول تضارب المصالح وحدود النفوذ الذي قد يُسخر لخدمة عمليات غير مشروعة.
الضحايا هنا ليسوا فقط الأشخاص الذين فقدوا أموالهم، بل هم أيضاً سمعة القطاع المصرفي الوطني، وثقافة الادخار، ومصداقية المؤسسات المالية كحاضن لأموال الجمهور. فكل قضية فساد من هذا النوع تزيد من هوة عدم الثقة بين المواطن والبنك، وتعمق الشعور بأن النظام المالي قد يكون عرضة للاختراق من داخله.
بينما يُغلق هذا الحكم ملفاً جنائياً لشخص، فإنه يفتح ملفاً مؤسساتياً أوسع عن حوكمة البنوك وحماية المدخرين. العدالة القضائية قامت بدورها، لكن السؤال الأكبر يبقى: هل ستقوم المؤسسات المصرفية والجهات الرقابية بواجبها في إعادة بناء الجدران التي اخترقها الفساد؟ أم أننا سننتظر القضية الكبرى القادمة لنكتشف أن دروس اليوم لم تُتعلم؟
