حين تتحول التنمية المحلية إلى مشروع معطل: مدينة الحسيمة نموذجا

حين تتحول التنمية المحلية إلى مشروع معطل: مدينة الحسيمة  نموذجا
حسن غربي 2025/12/05 على الساعة 11h55

تشهد المؤسسة الجماعية بمدينة الحسيمة وضعاً متفاقماً من الشلل، جعلها عاجزة عن أداء مهامها الأساسية المتعلقة بالتنمية، وتقديم الخدمات العمومية. فقد تحولت الجماعة، خلال السنوات الأخيرة، إلى جهاز إداري فاقد للفعالية والحيوية، بعيد عن انتظارات الساكنة، وفي حالة قطيعة واضحة مع الدينامية التنموية التي تعرفها البلاد. ويبدو أن المكتب المسير للجماعة يعيش حالة ارتباك مزمن في التدبير، وغير متملك لرؤية واضحة للعمل، وتراجع مستوى الخدمات بشكل لافت، فيما ظل المواطنون يواجهون يومياً مظاهر الإهمال وسوء التنظيم. ويزداد هذا الوضع تناقضاً عندما نتأمل التوجيهات الوطنية، ولا سيما الخطابات الملكية، التي تشدد على ضرورة إطلاق جيل جديد من المشاريع في إطار مفهوم التنمية الترابية المندمجة، القائمة على العدالة المجالية، والعدالة بين الأحياء في المدن، وتدبير محلي فعال يستجيب لحاجيات المواطنين، ويعكس روح المسؤولية.ومبدع ومبتكر للحلول البديلة في التفاعل مع هموم الساكنة ورغم أن الدولة تدفع بقوة نحو تحديث أساليب الحكامة المحلية، فإن جماعة الحسيمة تبدو خارج هذا المسار، حيث تستنزف ميزانياتها في نفقات لا تترجم إلى خدمات أو منجزات، بل هي تكرس الريع كدعم جمعيات بلا مردودية واضحة، اغلبيتها تربطها اواصر التبعية لأعضاء المجلس النافذين، واعوان عرضيين اشباح فيما يشبه إعانات ذي القربى والولاء الانتخابي، إضافة إلى استهلاك غير مفهوم للوقود في مقابل غياب اية أوراش او حركية تستدعي ذلك ، ومصاريف وتعويضات عن التنقل في غياب انخراط في اية أنشطة تذكر ، ومما يفاقم هذا الوضع تعطل عدد من المرافق الحيوية التي سبق إنجازها بتمويل عمومي، كالمركب السوسيو رياضي…..والتي كان ينتظر أن تلعب دوراً اجتماعياً وتنموياً مهما، لكنها بقيت مغلقة ، وشاهدة على عجز هذا المجلس عن تشغيلها دون تفسير مقنع. وانعكس هذا العجز التدبيري على صورة المدينة وجودة حياتها، حيث تعاني الأحياء من ضعف الإنارة، فوضى الأسواق، وغياب الصيانة الأساسية للطرق والفضاءات العمومية. وانتشار الكلآب الضالة ……وهي مظاهر تنذر بانهيار متواصل في الخدمات، وتعميق فقدان الثقة في المؤسسة الجماعية. وإلى جانب ذلك، لا يزال تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية، الذي وقف على اختلالات متعددة داخل الجماعة، بعيدا عن التداول داخل المجلس، رغم أن القانون التنظيمي رقم 113.14 يلزم بعرضه للمناقشة، هذا الغياب يسائل السلطة الوصية، ويفتح الباب أمام مزيد من الضبابية، ويؤجل أي معالجة جذرية للاختلالات القائمة. وأمام غياب الرئيس الشبه الدائم، واختياره تدبير شوون المدينة عن بعد تجد الجماعة نفسها تائهة بلا قيادة فعلية. هذا الغياب لا يمكن التقليل من أثره، والسلطة الوصية في شخص السيد العامل—مدعوة، في إطار مسؤوليتها ، إلى القيام بدورها في ضمان السير العادي للمرافق الجماعية، والتدخل عند الاقتضاء لإعادة الانضباط للتدبير المحلي، حماية للمصلحة العامة، وصوناً لحقوق المواطنين في خدمات أساسية لا يمكن تأجيلها. وفي خضم هذا الواقع، تتحمل الأحزاب المشكلة للأغلبية المسيرة التي جاء بها -قاسم ظهر البعير أشتاتا - جزءا من المسؤولية، لغياب دورها في تأطير ومتابعة ممثليها. وليس ببعيد عدم علمها بوجودهم من الأصل، هذا ويزداد المشهد مفارقة مع اختيار الحزب الذي يقود الجماعة عقد دورته للمجلس الوطني بمدينة الحسيمة، تحت شعار "دورة الوفاء من الريف إلى الصحراء"في خطوة تثير الاستغراب، لأنها تجعل من مدينة تعيش أزمة تدبيرية واجهة لحدث سياسي، في حين كان الأجدر معالجة أوضاعها قبل الاحتفاء الشكلي بالحضور الحزبي. إلى مدينة تبحث عن قائدها الذي يتوارى عن الأنظار،ولا يظهر إلا بين الدورات ، والمفارقة العجيبة تكمن في أن هذا “الوفاء” لم تجد له المدينة أثراً لا في شمالها ولا في جنوبها ، بل حتى في أقرب نقطة إلى باب الجماعة. فالشعار يبدو أكبر بكثير من الواقع، أشبه بملصق لامع فوق جدار متصدع؛ كلمات منمقة تحاول إخفاء فراغ إنجازي واضح. أما المنتخبون الذين من المفترض أن يجسدوا هذا الوفاء على الأرض، فهم بدورهم يعيشون حالة “غياب استثنائي”، حضورهم لا يرى إلا في الصور الرسمية، ووسط كل هذا، يظل الشعار يرفرف في الهواء كطائرة ورقية بلا خيط جميل من بعيد، لكنه لا يلامس الأرض… ولا علاقة له بما يحدث في الحسيمة من قريب أو بعيد. وإذا كان الوفاء يبدأ من الريف وينتهي في الصحراء، فربما قد فاته أن يمر من الحسيمة، أو ربما مر ليلاً دون أن يراه أحد. إن حالة الشلل الذي تعيشه جماعة الحسيمة اليوم يستدعي تدخلاً عاجلاً لإخراجها من غيبوبتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة.فالاستمرار فيه إضرار بالمال العام، ومس بثقة المواطنين في المؤسسات، وإخلال بروح التنمية الترابية التي تشكل أحد أعمدة التوجيهات الوطنية. ولا يمكن لأي نموذج تنموي محلي أن ينجح ما دامت الجماعة، بصيغتها الحالية، غائبة عن محيطها، وفاقدة للبوصلة. لا بل تائهة تبحث عن من يسيرها …

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد على هذا المقال

تعليقات على المقال