صور من الذاكرة

صور من الذاكرة
أحمد بن شريف2020/04/04 على الساعة 07h58

عندما التحقت بتاركيست في سبعينيات القرن الماضي ، رفقة نفرين من تلاميذ قبيلتي ، بعد اجتياز امتحانات شهادة الدروس الابتدائية المعلومة ..اكتشفت أو لأقل كاشفني ضوء الأمكنة الجديدة الذي طالعني فجأة ..بل منحني قوة رهيبة ؛ مكنتني من إمعان النظر ..والاستزادة من الأسئلة المتوثبة نحو كل مسافة قطعتها بقدمي ، أو انتهى إليها نظري ..فتكشف لي ذلك البريق المنتصر للرؤية المجردة للأشياء المادية وهي في سمتها وامتدادها الكونيين ! الطفل فينا يحمل فوق كتفيه الحقول وأشجار اللوز والخروب والزيتون البري ؛ المسكون بكل طيور الغروب ..إحساس برهبة المكان حتى لا نقول الخوف يجعلني أتعثر الخطى حين أدلف معابر وأبوابا تشبه تلكم التي توصد خلف السجناء ! لقد وجدنا أنفسنا - ونحن أشبه ما نكون بسرب من أفراخ العصافير يتدرب على الطيران - وجها لوجه مع بعض الصعوبات في التأقلم مع الوضع الجديد ..واجهنا نظام الدخول والخروج ؛ الخاضع للتوقيت الصارم والمواعيد المضبوطة في كل شيئ تقريبا ..وكان حارسها الأمين المرحوم السي علي الزرقتي ..الحارس العام للداخلية . لا يمكن للوافد على هذه القلعة العتيدة وأعني بها داخلية تاركيست إلا أن يستجيب للأوامر ..وينضبط في حياته اليومية بجدية ومسؤولية لا مراء فيها .."كل شيئ معد لنا سلفا" كما يقول الشاعر محمود درويش مع الاختلاف في المناسبة والسياق ..كل ذلك في أفق احتضان الأصوات ، و"ترويض" النفوس على الجلد .. كانت المناسبة عظيمة لاشتغال الخيال ؛ ودخوله في دورة لا متناهية للركض نحو الأعالي ..استعاضة عن النظام الحديدي الذي يشعرك - حقا - بقيمة الحياة وجدواها خارج نفوذه . كان خيالنا يسبح في عوالم ، تنسج مادتها الصور الرديفة للأحلام الممزوجة بشعور استثنائي بالخوف من العالم ومرئياته كلها ..شعور يحملنا على رسم أفق وردي ..نثبت نحوه أبصارنا ..فكانت الصورة مثلا معادلا للشيئ المادي المتطلعة نحوه رغباتنا ..يكبر مداها فينا وبنا ..خاصة في خلوة يملأ أديمها النزلاء من التلاميذ والأعوان والموظفين ..الكل هارب من نفسه ..ومن المجهول الذي تركه خلفه في القرى الموشحة بمواسم الأمطار وهبوب الرياح فوق مطالع الجبال ..

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد على هذا المقال

تعليقات على المقال