تخيّل أنك في عجلة من أمرك، وأن أمامك موعداً لا يحتمل التأخير. تخرج من منزلك مبكراً، تحسب الدقائق بدقة، تصل إلى الشارع المؤدي إلى وجهتك، وفجأة… تتوقف كل الحسابات. سيارة واحدة، تقف في "الوضع الثاني"، أضواؤها الوامضة تُعلن ببرود: "انتظروا". لا حادث، لا أشغال، لا سبب طارئ. فقط سائق قرّر أن غرضه الشخصي أهم من وقت مدينة بأكملها.

هذه هي الحقيقة التي يتهرب منها الجميع: في طنجة، لم تعد حركة السير تُعطَّل بحادث كبير أو كارثة طبيعية، بل بقرار فردي صغير يتكرر كل يوم، في كل شارع تقريباً. "دقيقتان" — الكلمة التي يرددها المخالف كأنها عذر بريء — هي في الواقع سرقة موصوفة لوقت العشرات، واعتداء على حقهم في التنقل، وتحويل للطريق العام إلى ملكية خاصة مؤقتة لا يعترف بها أي قانون.

لكن المشكلة لا تكمن في الفعل وحده، بل في ثقافة تُنتجه وتحميه. فمن يوقف سيارته في الوضع الثاني لا يشعر بأنه مخطئ، بل يشعر بأنه "يتدبر أمره". ومن يصرخ عليه اليوم، سيفعل الشيء نفسه غداً حين يكون في عجلة من أمره. الجميع ضحايا، والجميع متهمون. والمدينة، في النهاية، تدفع الفاتورة وحدها: طوابير لا تنتهي، منبهات لا تتوقف، وأعصاب تُستهلك قبل أن يبدأ اليوم.

وإذا خرجنا من دائرة الوقوف العشوائي، نجد أنفسنا أمام مشهد أوسع من الفوضى. سائق يسير عكس الاتجاه لأنه "يعرف طريقه"، فيجبر السيارات القادمة في مسارها الصحيح على التوقف أو المناورة. وآخر يترك سيارته فوق الرصيف، فينزل الراجل — أمّاً كانت أو مسناً أو شخصاً في وضعية إعاقة — إلى قارعة الطريق ليبحث عن ممر آمن. هنا لم يعد الأمر مخالفة مرورية، بل اختيار صريح: نحمي الحديد، ونضحّي بالإنسان.

والسؤال الأكثر إحراجاً: أين الجهة التي يفترض أن تتدخل؟ لا أحد يطالب بشرطي خلف كل سيارة، لكن حين تتكرر المخالفة أمام أعين الجميع دون أي تحرك، تصبح المسألة مسألة إرادة لا إمكانيات. هل هناك خصاص في عناصر المرور؟ هل هناك تعليمات بالتغاضي؟ أم أن الصمت أصبح سياسة مريحة للجميع؟ المواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب أن يرى القاعدة تُطبّق، وأن يشعر أن المخالفة مكلفة، لا أن تصبح عادة يومية بلا ثمن.

والحقيقة أن الزجر وحده لا يكفي. فالمخالفة التي تُعالج اليوم قد تتكرر غداً في الشارع نفسه، ما لم تتغير القناعة التي تُنتجها. هنا يأتي دور التربية، لا بمعناها المدرسي الضيق، بل بمعناها العميق: كيف نعلّم جيلاً أن وقت الآخرين ليس ملكاً له؟ كيف نفهم أن احترام الطريق جزء من احترام المجتمع؟ طفل يرى والده يوقف السيارة في الوضع الثاني ليوصله إلى باب المدرسة، يتعلم درساً لن ينساه: راحتنا أولاً، والبقية ينتظرون.

ومدارس تعليم السياقة التي تكتفي بتلقين الإشارات والقواعد دون غرس ثقافة الاحترام، تُخرّج سائقين يحفظون القانون عن ظهر قلب، ويخالفونه بوعي تام. والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية مطالبة بإجابات واضحة عن برامجها الموجهة لهذه الظاهرة تحديداً: كيف تصل إلى السائق الذي يرى في تصرفه أمراً عادياً؟ وما المؤشرات التي تُثبت أن التوعية تغيّر السلوك فعلاً؟

طنجة اليوم في مفترق طرق. مدينة تستعد لاستقبال العالم في مونديال 2030، تبني بنياتها وتوسع شوارعها وتستثمر في صورتها، لكنها في الوقت نفسه تترك سائقاً واحداً يعطّل شارعاً كاملاً بـ"دقيقتين". لا يمكن أن نبني مدينة عالمية ببنيات حديثة وعقول ما زالت تعتبر الطريق ملكاً خاصاً. فمن يترك سيارته في الوضع الثاني لا يركنها فقط، بل يقرر أن المدينة كلها تنتظر حتى ينتهي هو. والسؤال الذي يواجه طنجة، بمسؤوليها وسكانها: إلى متى؟