يعيش قطاع التعليم العمومي بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة على وقع مشاكل مستعصية في التدبير، وتراكمات اختلالات الهدر المدرسي، وضعف الأنشطة الموازية، وغياب الجودة في التوجيه، والصراعات النقابية حول الامتيازات بعيداً عن مصلحة التلاميذ، فضلاً عن تعثر تنزيل المدرسة الرائدة وهدر الزمن المدرسي، وذلك رغم المجهودات التي تبذلها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية لتجاوز الإكراهات وتجويد الخدمات.
وقد دُق ناقوس الخطر أكثر من مرة بشأن الهدر المدرسي، خاصة بالعالم القروي والمدن القريبة من سبتة المحتلة، التي شهدت قيام مئات التلاميذ القاصرين بالهجرة السرية سباحة نحو الثغر المحتل، بعد التغرير بهم بدعوى رسم مستقبل مهني أفضل، حيث يُستقبلون بمركز إيواء القاصرين قبل توجيههم نحو المدن الأوروبية.
وتعاني أسر ذات دخل محدود وتلك التي تعيش الفقر والهشاشة من انتشار ظاهرة الساعات الإضافية التي يقدمها أساتذة القطاع العمومي، وتتحول أحياناً إلى واجب شهري إجباري يُدفع بانتظام للحصول على نقط جيدة في المراقبة المستمرة، خاصة بمستوى البكالوريا، في ظل الجدل المصاحب لبيع النقط والتباين في المعدلات بين تلاميذ القطاع الخاص والعمومي.
ومازالت جل المؤسسات التعليمية بالعالم القروي تعاني غياب العدالة المجالية في تجهيز البنيات التحتية، وغياب المعايير المطلوبة في الملاعب الرياضية والتجهيزات الخاصة بالتدفئة، فضلاً عن محدودية طاقة الاستيعاب بالأقسام الداخلية ودور الطالب، وبعد المسافة بين المدارس ومقرات السكن وغياب مجانية النقل المدرسي، وارتفاع نسبة الهدر المدرسي في صفوف التلميذات، ما يتعارض مع تكافؤ الفرص المنصوص عليه في الدستور.
ونبهت جمعيات آباء وأولياء التلاميذ إلى ضرورة معالجة الظواهر المشينة بالمؤسسات التعليمية، من قبيل العنف بين التلاميذ وبينهم وبين أساتذتهم والأطر الإدارية، وانتشار المخدرات وتدخين «الشيشة» وبيعها قرب المدارس، والتحرش الجنسي بالتلميذات أمام الإعداديات والثواني، داعية السلطات الأمنية والدرك الملكي إلى التفاعل مع الشكايات وردع المخالفين الذين ينتظرون خروج التلاميذ وقت الذروة للسياقة الاستعراضية وتعريض سلامة المارة للخطر، لاسيما وأن بعض الجماعات الترابية، مثل جماعة الفنيدق، أهملت حتى وضع التشوير الطرقي أمام المدارس رغم الشكايات والتقارير المتكررة.
وحسب والد تلميذ يدرس بالفنيدق، فإن العديد من المؤسسات انطلقت في الدراسة وهي مقبلة على العطلة الأولى ومازالت لوائح التلاميذ تشهد ارتباكاً وغموضاً بشأن القاصرين الذين غادروا إلى الثغر المحتل، وما إذا كانوا سيعودون لمقاعد الدراسة أم سيُوجهون نحو المدن الأوروبية، مؤكداً أن فكرة الهجرة السرية تبقى سارية لدى البعض، وهو ما يستدعي برامج حقيقية للتوعية وفتح آفاق المستقبل أمام جيل الغد، وأنشطة موازية قادرة على استقطاب التلاميذ ومواكبة التحولات الاجتماعية وتطور وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن السلطات الإقليمية بالمضيق سبق وأجرت إحصائيات للقاصرين المنقطعين عن الدراسة وغير المزاولين لأي مهنة، فكانت الحصيلة كارثية، حيث تبين أن الأحياء الهامشية تعج بالشباب الذين غادروا مقاعد الدراسة مبكراً دون أي تكوين يؤهلهم للحصول على فرص الشغل، وهو ما يستدعي توسيع الطاقة الاستيعابية بالتكوين المهني ومواكبته للتطور التكنولوجي.
وحسب مصادر مطلعة، فإن المديريات الإقليمية بالشمال تواصل تقديم التسهيلات للتلاميذ الذين يغادرون مقاعد الدراسة لأسباب متعددة للعودة إلى مواصلة التعلم، وقبول وثائق الاستعطاف المتعلقة بعودة المنقطعين، وتوجيه الشباب إلى التكوين المهني للتخفيف من الهدر المدرسي والبطالة والفراغ الذي يتسبب في ضياع أجيال في الإدمان وارتكاب الجرائم.
وتعاني مؤسسات تعليمية بقرى الشمال من هشاشة البنيات التحتية وغياب المرافق الصحية أو تهالكها، وغياب الملاعب الرياضية أو عدم صلاحيتها، وغياب الفضاءات الخضراء بساحات المدارس، والصعوبات التي تواجه تنزيل تدابير المدرسة الرائدة. وفي ظل احتجاجات على هذه الأوضاع، تؤكد أطر تربوية أن التخريب يكون أحياناً من طرف التلاميذ أنفسهم كطريقة احتجاج على قرارات إدارية.
وطالبت جمعيات أمهات وآباء التلاميذ بتوفير وسائل التدفئة بالمناطق القروية، وتوسيع مشاريع صيانة الطرق وفتح المسالك القروية لضمان وصول النقل المدرسي إلى المنازل وفك العزلة، والاهتمام بالإنارة العمومية بمحيط المدارس، والتجاوب مع الشكايات بسرعة ونجاعة.
وحسب مصدر، فإن المديريات الإقليمية أطلقت مشاريع صيانة لعدد من المدارس وتقسيم مؤسسات وإضافة حجرات لتفادي الاكتظاظ، وصيانة أسوار خارجية وصباغة الجدران وتهيئة الظروف لتنزيل مشروع المدرسة الرائدة، لكن مطالب الجودة وتوفير البيئة المناسبة للتعليم مازالت قائمة، وهو ما يتطلب ميزانيات ضخمة وحسن صرف المال العام وتتبع تنفيذ المشاريع وضمان جودتها وحماية المرافق من التخريب.
وتنتشر ظاهرة العنف المدرسي بعدد من مدارس الشمال، حيث سبق تسجيل جرائم قتل بمحيط المؤسسات على غرار شجار بين تلاميذ بشفشاون، واصطدامات أثناء الخروج ووقت الذروة تصل أحياناً إلى أقسام الشرطة، وهو ما يرجعه مهتمون إلى التغيرات الاجتماعية وتأثير المنصات الاجتماعية وغياب المتنفسات والأنشطة الموازية.
وطالب آباء وأولياء التلاميذ بتكثيف الدوريات الأمنية بمحيط المدارس في المجالين الحضري والقروي لردع المخالفين الذين يعترضون سبيل التلميذات ويقطعون مع السياقة الاستعراضية والتحرش الجنسي ومضايقة القاصرات، فيما نبهت أصوات حقوقية إلى خطر انتشار المخدرات بمحيط المدارس ومحاولة شبكات إجرامية إسقاط التلاميذ في شراكها، وانتشار الشيشة الإلكترونية وبيعها بمحلات أمام المدارس في غياب تشريع يمنع ذلك.
وحسب مصادر، فإن العنف المدرسي يتأثر كذلك بالإهمال الأسري وتفكك الأسرة ومشاكل البطالة والفقر والتهميش والسكن غير اللائق، وغياب التواصل بين الإدارة والآباء، ومحدودية عمل المختص الاجتماعي بالمدارس رغم إيجابية إحداث المصلحة.
ويشتكي آباء وأولياء التلاميذ من ارتفاع كلفة الساعات الإضافية التي تُدفع لبعض أساتذة التعليم العمومي نظير ما يقدمونه بمراكز تعليم اللغات والدعم المدرسي، حيث يصل الواجب الشهري لمادة واحدة بمستوى البكالوريا إلى 500 درهم عن كل تلميذ، وهو ما يرهق ميزانية الأسر المتوسطة فكيف بالفقيرة.
وحسب مصادر، فإن الإقبال على الساعات الإضافية يكون أحياناً شبه إلزامي من أجل الحصول على نقط عالية في المراقبة المستمرة، لدعم تعويض إمكانية الفشل في الامتحانات الإشهادية خاصة البكالوريا، مع إقبال كبير على المواد العلمية كلغات الفرنسية والإنجليزية، حيث أصبح التعليم العمومي بمستوى البكالوريا، الذي يفترض فيه المجانية، يكلف ميزانية الأسر ويدفعها للاقتراض أحياناً، فيما يختار الجميع الصمت لتعقيدات معالجة الملف والخوف من الانتقام وغياب الإرادة في الإصلاح واحتماء الجهات المستفيدة بالنقابات.
ويحذر حقوقيون من تداعيات هذه الظاهرة التي لا تقف عند استنزاف القدرة الشرائية للأسر، بل تمتد إلى تكريس الفوارق الاجتماعية والتربوية بين التلاميذ، إذ يصبح التفوق الدراسي مرتبطاً بقدرة الأسرة على تحمل مصاريف الدعم خارج المؤسسات، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مبدأ تكافؤ الفرص ومدى قدرة المدرسة العمومية على ضمان تحصيل جيد لجميع التلاميذ بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية والمادية.
وأمام تنامي الشكاوى، تبرز الحاجة إلى تدخل جدي من الوزارة الوصية لوضع حد لكل الممارسات التي قد تحول الدعم المدرسي إلى عبء مالي إضافي أو وسيلة ضغط غير مباشرة، مع التمييز بين الدعم الاختياري المشروع وأي ممارسات تمس بمبدأ المجانية وتكافؤ الفرص، عبر فتح نقاش مسؤول مع الهيئات التعليمية وجمعيات الآباء، وتعزيز آليات التتبع والمراقبة، وتوفير حصص دعم تربوي مجانية داخل المؤسسات العمومية.
التعليقات
أضف تعليقك