معركة حلب : الشجرة التي لن تخفي الغابة !

في حلب، يعيش الشعب السوري مأساة فوق التصور والخيال. ذلك أن الصور التي تنقلها قنوات الأخبار المختلفة، عبر أكثر من مصدر وجهة، تلتقي في التعبير عن هول ما يعانيه السوريون . إذا تمّ الاتفاق على هذا الأمر، يمكن "السجال" في من يتحمل المسؤولية، وفي من يتحملها أكثر من الآخر. بالنسبة لوجهة نظري المتواضعة، يتحمل مسؤولية تدمير سوريا، شعبا وأرضا، أكثر من طرف: داخلي وإقليمي ودولي. غير أن النظام السوري، وإن عرف كيف يدير معركته، إلى حدّ ما، ضدّ المحتلّ الصهيوني، لم يستطع تطوير "بنياته" الديمقراطية، شأنه في ذلك شأن باقي الأنظمة العربية الاستبدادية. أعتقد أن بالبناء الديمقراطي، يكون تحصين" خطّ" الممانعة والمقاومة، خصوصا أن سوريا بلد مواجهة مباشر مع المحتلّ. ومن هنا، يمكن التساؤل بكل بساطة وأسف: ألم يكن "خط" المقاومة في حاجة إلى تحصين ديمقراطي، سدّا لأي منفذ يمكن أن يتسلل منه العدوّ، "القريب" والبعيد، الظاهر والخفيّ؟ لا تجوز المفاضلة بين نظام استبدادي، وإن بخلفية قومية مُقاومة، وآخر استبدادي، لكن بخلفية رجعية مُضيِّعة للحقوق. لا شيئ يفصل بين نظام وآخر غير الاحتكام إلى الديمقراطية المُواطِنة. أو لم تكن المقاومة في مسيس الحاجة، مرة أخرى، إلى مؤسسات ديمقراطية تحميها وترعى توهُّجها؟ بناء على المآلات السورية المرعبة، التي نشهد يومياتها على مختلف الأصعدة، ما كانت "الثورة" السورية لتنزلق إلى هذا الدرك من التدمير المُتبادل، في ظل وجود بنيات تسمح بالتدبير الديمقراطي، لما يمكن أن يعتري البلاد من ارتجاجات واهتزازات. اليوم، وقد أضحت "حلب" في أيدي النظام كاملة، ينبغي التذكير بأن الصراع لن ينتهي قريبا، وإلى غير رجعة. ما يؤكد ذلك أن الصراع المُدمر لن ينتهي من طور، إلا ليدخل طورا آخر: من حرب مدن إلى حرب كمائن وتفجيرات.. الصراع ما يزال طويلا، في ظل استمرار وجود أسباب ودواع، يعتقد بموضوعيتها طرف مهم من الشعب السوري. ولا أتصور دعوة الرئيس الروسي "بوتين" إلى مفاوضات "كازاخستان"، بعد دخول حلب الشرقية وبداية إجلاء سكانها، إلا من باب إدراكه أن الحرب لن تنتهي بالإنجاز الأخير...بعبارة موجزة، روسيا لن تبقي طائراتها "مُعلقة" فوق سماء سوريا إلى أجل غير مسمى. ولهذا، يمكن للمرء أن يتفهّم حرص روسيا على "قطف ثمار" معركة حلب الأخيرة، من خلال الدعوة إلى مفاوضات جديدة، وإن بدون إشراف من الأمم المتحدة. لست في موقع من يُقدِّم النصيحة لهذا الطرف أو ذاك من طرفي الصراع. غير أن هذا لا يمنعني، بحكم غيرتي على كل بلاد العرب، من أن أدعو السوريين إلى تدبير انتقال ديمقراطي، يفتح لسوريا أفقا جديدا: سوريا الديمقراطية، والعروبة، والمقاومة، والمُواطَنة. ينبغي أن يُشكِّل دخول "حلب" فرصة لدخول مُغاير، يقطع مع أسباب اندلاع "الثورة" في بداياتها الأولى. هكذا، يتمّ عزل الإرهابيين المندفعين والدخلاء الطامعين، وقبلهم جميعا الصهاينة المتربصون..لا يمكن لنظام أن ينتصر على شعبه، أو حتى فئة منه، مهما قل عدد أفرادها.. خارج المجال السوري، يبدو أن أكثر ما يخشاه مواطن عربي مثلي، هو أن تنهي مآلات "حلب" كل تطلع ديمقراطي في البلاد العربية.. أما حقيقة هذه الصورة من زيفها، فلا يمكن لذلك أن يحجب عنا هول المأساة..هذه المرة، لا يحق للشجرة أن تخفي الغابة.. هل لنا أمل في انتظار إشارة من هنا أو هناك...
